السياسة والاقتصاد والمجتمع في مصر: قراءة نقدية في 13 عاماً من نموذج الحكم (3-10) من إغلاق المجال السياسي إلى اقتصاد الدولة: كيف تضعف البدائل وتتراكم الهشاشة؟

image_pdf

تمهيد: حين يضيق المجال العام تنتقل الكلفة إلى القرار الاقتصادي

أظهر المقال السابق أن الانتخابات والأحزاب وحدها لا تكفي لصناعة بديل إذا ظلت كلفة المشاركة مرتفعة. هنا تتسع العدسة لتشمل المجتمع المدني والنقابات والجامعات والإعلام والحوار الوطني؛ وهي مساحات تتكون فيها النخب وتتراكم فيها الخبرة. ثم ينتقل المقال من السياسة إلى الاقتصاد: فإذا ضعفت آليات النقاش والمراجعة، فكيف تنعكس المركزية على اختيار المشروعات، وسرعة التنفيذ، والدين، وترتيب الأولويات؟

الإفراجات والمجتمع المدني: الخطوات الإيجابية تحتاج قواعد ثابتة

من الإنصاف تسجيل الإفراج عن بعض المحتجزين، وإعادة تفعيل لجنة العفو الرئاسي، وإنهاء القضية 173 الخاصة بعدد من منظمات المجتمع المدني، وإطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان والحوار الوطني. لكن هذه الخطوات ظلت محدودة مقارنة باستمرار نمط الاعتقال والحبس على خلفيات سياسية، فبين نيسان/أبريل 2022 وأيلول/سبتمبر 2023، أُفرج عن نحو 1,700 محتجز، بينما اعتُقل خلال الفترة نفسها أكثر من 4,500 شخص، وفق بيانات نقلتها “هيومن رايتس ووتش”، كما استمرت خلال 2025 و2026 تقارير عن توقيف وإعادة توقيف معارضين ونشطاء وصحفيين بسبب نشاط أو تعبير سلمي.

كما ظل الاختفاء القسري حاضراً في التقارير الحقوقية؛ فقد أكدت “منظمة العفو الدولية” و”هيومن رايتس ووتش” استمرار احتجاز أشخاص لأسباب سياسية بمعزل عن العالم الخارجي أو إخفائهم قسراً، ونسبت جانباً من هذه الممارسات إلى قطاع الأمن الوطني.

وتظهر حدود لجنة العفو نفسها في آلية عملها؛ فقد أكدت تصريحات لأحد أعضائها أن قوائم المطلوب الإفراج عنهم كانت تحال إلى الأجهزة الأمنية للمراجعة، وهو ما دفع منظمة العفو الدولية إلى المطالبة بإبعاد الأمن الوطني والمخابرات عن قرار الإفراج، معتبرة أن خضوع الملفات لموافقتها يقيد استقلال اللجنة ويستبعد فئات من المحتجزين.

أما المجلس القومي لحقوق الإنسان، فرغم ما يملكه قانوناً من حق تلقي الشكاوى وزيارة أماكن الاحتجاز وإحالة الانتهاكات إلى الجهات المختصة، فإنه لا يملك سلطة تنفيذية لإطلاق سراح محتجز أو إلزام أجهزة الأمن بقراراته؛ ودوره يقوم أساساً على المتابعة والتوصية والإحالة.

النقابات والجامعات: حين تضيق مدارس إنتاج النخب

الأحزاب ليست المكان الوحيد الذي تتكون فيه النخب؛ فقد كانت الجامعات والنقابات المهنية والعمالية تاريخياً مدارس للتنظيم والانتخاب والتفاوض، ومنها خرج سياسيون وقيادات عامة من اتجاهات مختلفة. لكن القيود التي طالت النشاط الطلابي والاستقلال النقابي بعد 2013 قلصت جزءاً من هذه الوظيفة، وفق تقارير ودراسات تناولت الانتخابات الطلابية وحرية النشاط الجامعي والنقابي.

وخسارة هذه المساحات لا تعني فقط تراجع النشاط العام، بل تراجع تراكم الخبرة السياسية نفسها؛ فالدولة التي تريد أحزاباً ومسؤولين قادرين تحتاج مواطنين جرّبوا التنظيم والمنافسة والتفاوض قبل الوصول إلى البرلمان أو الحكومة. وإذا ضعفت هذه المدارس، تضيق دائرة إنتاج القيادات وتزداد تبعيتها لدوائر محدودة ومألوفة.

الإعلام والرقابة الذاتية: حين يصبح الصمت تلقائياً

فالصحفي الذي يكشف خللاً في مشروع أو فساداً أو غضباً اجتماعياً يؤدي وظيفة إنذار مبكر، أما إذا أصبح الصحفي أو الباحث يسأل قبل الكلام: “ما الثمن؟” بدل أن يسأل فقط: “هل ما أقوله صحيح؟”، فإن الرقابة لا تحتاج إلى التدخل في كل مرة؛ إذ تبدأ المؤسسات والأفراد في مراقبة أنفسهم.

وهنا لا تقتصر المشكلة على حرية الصحفي، بل تمتد إلى إنتاج البديل نفسه. فالمعارضة التي لا تصل أفكارها إلى الجمهور، والباحث الذي يتجنب نقد السياسات، والحزب الذي لا يجد مساحة إعلامية عادلة، جميعهم يفقدون فرصة الاختبار أمام الرأي العام. وبدل أن يعرف المواطن البرامج المختلفة ونقاط قوتها وضعفها، تبقى البدائل مجهولة أو مشوهة حتى لحظة الحاجة إليها.

الحوار الوطني: الاعتراف بالمشكلة ليس هو حلها

مثّل إطلاق الحوار الوطني اعترافاً مهماً من داخل الدولة بأن المجال السياسي يعاني مشكلات تستحق النقاش، من الانتخابات والأحزاب والحبس الاحتياطي إلى الحريات والمجالس المحلية. لكن القيمة الحقيقية لأي حوار سياسي لا تقاس بعدد الجلسات أو التوصيات، بل بمقدار ما يغيّره في القواعد التي أنتجت المشكلة أصلاً.

ولهذا فالسؤال بعد سنوات من انطلاق الحوار لم يعد: هل جلست السلطة مع المعارضة؟ بل: هل أصبحت المعارضة أكثر قدرة على العمل بعد الحوار مما كانت قبله؟ فإذا لم تتغير هذه المؤشرات، يصبح الحوار قناة لامتصاص الأزمة أكثر من كونه أداة لإصلاح بنيتها.

الفراغ السياسي: عندما يصبح غياب البديل نتيجة لا حجة

وفق الدستور الحالي تنتهي الولاية الرئاسية الثالثة للسيسي في 2030، ولذلك لم يعد سؤال البديل افتراضاً بعيداً. لكن السؤال الأهم ليس فقط: من يمكن أن يخلفه؟ بل: ما البيئة التي كان يفترض أن تُنتج هذا البديل وتختبره أمام المجتمع قبل تلك اللحظة؟

فالبدائل السياسية لا تظهر فجأة عند فتح باب الترشح؛ بل تتكون عبر حزب، أو نقابة، أو جامعة، أو مجلس محلي، أو برلمان، أو حملة انتخابية، يكتسب فيها السياسي خبرة التنظيم والتفاوض وصياغة السياسات، ويتعرض للنقد والمحاسبة. وإذا أُضعفت هذه المساحات سنوات طويلة، فمن الطبيعي أن يصل المجتمع إلى نهاية المرحلة من دون بدائل قوية أو مجرَّبة.

وهنا تكمن المفارقة: قد تُضعف السلطة المنافسين باسم الاستقرار، ثم تستخدم ضعفهم نفسه دليلاً على عدم وجود بديل قادر على الحكم. وهكذا تتحول النتيجة التي ساهم النظام في إنتاجها إلى حجة لاستمراره: لا نسمح للبديل بالنمو لأنه قد يهدد الاستقرار، ثم نقول إن استمرار الحاكم ضروري لأنه لا يوجد بديل جاهز.

ولا تقتصر خطورة ذلك على المعارضة؛ فهي مشكلة للدولة نفسها، فكلما طال الاعتماد على شخص واحد ومركز قرار واحد، ارتفعت كلفة لحظة الانتقال. فالفراغ السياسي لا يصنع الاستقرار، بل يؤجل اختبار الانتقال حتى يصبح أكثر صعوبة.

ولهذا فالقضية ليست البحث عن “مرشح بديل”، وإنما بناء بنك من البدائل: أحزاب وقيادات وبرامج يعرفها المواطن ويستطيع اختبارها تدريجياً. فالدولة المؤسسية لا تحتاج إلى معرفة اسم الرئيس القادم مسبقاً، بل إلى قواعد تضمن أن أكثر من شخص يستطيع المنافسة، وأن فوز أي منهم أو خسارته لا يتحول إلى تهديد لوجود الدولة.

الدولة القوية تحتاج إلى بدائل قوية

تكشف هذه القراءة أن أزمة المجال السياسي لا تقاس فقط بعدد الأحزاب أو الانتخابات أو قرارات الإفراج، بل بقدرة الدولة على إبقاء مساحات حقيقية تتكوّن فيها البدائل وتُختبر قبل أن تصل إلى الحكم. فعندما تضيق المنافسة الانتخابية، وتضعف الأحزاب والنقابات والجامعات والمجتمع المدني، ويتداخل الأمن في المجال السياسي، وترتفع كلفة النقد والمشاركة، لا تُضعف المعارضة وحدها، بل تضعف كذلك الآليات التي يفترض أن تنتج للدولة قيادات جديدة.

ومع اقتراب 2030، لا تحتاج مصر إلى صناعة “بديل واحد” للحاكم الحالي، بل إلى بنك من البدائل: أحزاب وقيادات وبرامج معروفة ومجرَّبة، يستطيع المواطن الاختيار بينها، وتستطيع الدولة التعامل مع صعود أي منها باعتباره انتقالاً سياسياً طبيعياً لا تهديداً لوجودها. فالدولة القوية ليست التي تمنع ظهور البدائل حتى تضمن الاستقرار، بل التي تسمح بتعددها لأنها تثق بأن مؤسساتها أقوى من أي حاكم وأبقى من أي نظام سياسي.

عندما لا يكون السؤال الاقتصادي اقتصادياً فقط

عد مناقشة مركزية القرار وضيق المجال السياسي، يصبح السؤال التالي: كيف انتقلت هذه البنية إلى الاقتصاد؟ ليس المقصود أن كل قرار اقتصادي اتخذته الدولة منذ 2013 كان خطأ، ولا أن تدخل الدولة في السوق مشكلة في ذاته. مصر احتاجت إلى استثمارات ضخمة في الكهرباء والطرق والموانئ والإسكان، وحققت الدولة إنجازات ملموسة في أجزاء من البنية الأساسية.

لكن الاقتصاد لا يسأل فقط: هل نستطيع تنفيذ المشروع؟ بل يسأل أيضاً: هل هذا أفضل استخدام للموارد في هذا التوقيت؟ ما العائد؟ كيف سيمول؟ وما تكلفة الفرصة البديلة؟ هنا تتحول طريقة اتخاذ القرار إلى متغير اقتصادي بحد ذاته. فحين يتركز القرار، لا يتغير فقط من يختار المشروع، بل أيضاً حجم الاستثمار العام، وطريقة تمويله، وحصة القطاع الخاص من الموارد والفرص، والقواعد التي تحكم المنافسة؛ ومن هنا يمكن أن تنتقل المركزية السياسية إلى الدين، والدولار، والاستثمار، والإنتاج.

الدولة المستثمر الأكبر: نجاح في التنفيذ وسؤال في ترتيب الأولويات

منذ السنوات الأولى لحكم السيسي تبنت الدولة نموذجاً تقوده الاستثمارات العامة والمشروعات القومية. توسعت الطرق والكباري، وشبكات الكهرباء، والموانئ، والمدن الجديدة، والإسكان، والنقل، واستصلاح الأراضي، والعاصمة الإدارية. وكان المنطق الرسمي مفهوماً: اقتصاد عانى عقوداً من ضعف البنية الأساسية يحتاج إلى قفزة سريعة.

وهذه الحجة لها وجاهتها، فلا تنمية من دون بنية أساسية، لكن البنية الأساسية شرط ضروري وليست شرطاً كافياً. الطريق لا يصدر وحده، والمدينة الجديدة لا تخلق تلقائياً صناعة ذات قيمة مضافة. ومع محدودية الموارد، كل جنيه يذهب إلى مشروع يعني ضمناً أنه لن يذهب إلى استخدام آخر في الوقت نفسه. لذلك فإن ترتيب الأولويات ليس قراراً هندسياً فقط؛ إنه قرار سياسي واقتصادي واجتماعي.

المشروعات الكبرى: ليست المشكلة في الحجم، بل في نظام الاختبار

العاصمة الإدارية الجديدة مثال واضح على فلسفة المرحلة. يرى مؤيدوها أنها تخفف ضغط القاهرة، وتنقل الجهاز الإداري إلى بيئة حديثة، وتخلق أصولاً وفرصاً استثمارية طويلة الأجل. ويرى منتقدوها أن حجمها وتوقيتها والطلب على العملة الأجنبية المرتبط بها جاء في وقت كانت فيه احتياجات إنتاجية واجتماعية أخرى أكثر إلحاحاً.

ليس المطلوب إصدار حكم نهائي على مشروع واحد، بل طرح سؤال مؤسسي: أين تُعرض دراسة المفاضلة بين الخيارات؟ وما حجم البيانات المتاحة للبرلمان والجمهور عن التكلفة، والتمويل، والعائد، والمخاطر؟ وحتى إذا أثبت المشروع نجاحه مستقبلاً، فإن وجود مراجعة مستقلة قبل التنفيذ يظل ضرورياً؛ لأن المؤسسات لا توجد فقط لمنع المشروع السيئ، بل لتحسين المشروع الجيد أيضاً.

السرعة في التنفيذ: ميزة قد ترفع كلفة الخطأ

إحدى نقاط قوة النموذج الحالي هي السرعة. وقد عانت مصر طويلاً من بطء البيروقراطية وتأخر التنفيذ، لذلك لا ينبغي التقليل من قيمة القدرة على الإنجاز. لكن إدارة اقتصاد وطني تختلف عن إدارة موقع إنشائي؛ السؤال في الموقع: هل انتهى العمل في موعده؟ أما في الاقتصاد: هل كان ينبغي تنفيذ هذا المشروع أصلاً الآن، وبالحجم نفسه، وبطريقة التمويل نفسها؟

فالمركزية تختصر مراحل الدراسة والنقاش والمراجعة والمقارنة بالبدائل. وقد توفر زمناً في البداية، لكنها قد تجعل تصحيح المسار أكثر تكلفة لاحقاً إذا تغيرت الظروف أو ظهرت افتراضات غير دقيقة.

الدين: الصدمات الخارجية تكشف الهشاشة الداخلية

لا يمكن تحميل المشروعات الكبرى وحدها أزمة الدَّين. لم يبدأ الدين المصري في 2013، كما تعرضت البلاد لصدمات استثنائية: جائحة كورونا، والحرب الروسية الأوكرانية، وارتفاع الغذاء والطاقة والفائدة عالمياً، وحرب غزة، ثم اضطرابات البحر الأحمر وتراجع إيرادات قناة السويس. هذه عوامل خارجية حقيقية.
لكن الصدمة الواحدة لا تؤثر في كل الاقتصادات بالدرجة نفسها، ما تفعله الأزمات أنها تكشف مقدار الهشاشة المتراكمة قبل وصولها. وهنا يصبح سؤال الدين سؤال حوكمة: من يحدد السقف المقبول؟ من يراجع العائد المتوقع مقارنة بتكلفة الاقتراض؟ من يستطيع تأجيل مشروع إذا تغيرت البيئة التمويلية؟ ومن يملك الصورة الكاملة للديون والضمانات والالتزامات خارج الموازنة التقليدية؟

ويشير صندوق النقد في تقريره لعام 2026 إلى أن احتياجات التمويل الحكومية ما زالت مرتفعة، وأن خدمة الدين تستحوذ على جزء كبير من الإيرادات، بما يزاحم الإنفاق التنموي. وهكذا لا يعود الدين مجرد رقم في الموازنة؛ بل قيداً يضغط على قدرة الدولة المستقبلية على اختيار أولوياتها.

ختام: الهشاشة تبدأ قبل وصول الصدمة

الأزمات الخارجية لا تصنع الهشاشة من الصفر؛ إنها تكشف ما تراكم قبلها. وحين يجتمع ضعف المراجعة السياسية مع توسع الاستثمار العام والاقتراض وسرعة التنفيذ، يصبح السؤال الاقتصادي في جوهره سؤالاً عن الحوكمة والقدرة على التراجع في الوقت المناسب. وفي المقال التالي ننتقل من حجم الإنفاق إلى قواعد السوق نفسها: مزاحمة القطاع الخاص، ودور الدولة والمؤسسة العسكرية، والحياد التنافسي، والخصخصة تحت ضغط الحاجة إلى الدولار.

مصادر ومراجع مختارة

• هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية- الإفراجات، الاعتقالات، الاختفاء القسري والمجتمع المدني في مصر.

• مؤسسة حرية الفكر والتعبير- الحرية الأكاديمية والاتحادات الطلابية والنشاط داخل الجامعات.

• المجلس القومي لحقوق الإنسان- التقارير السنوية بشأن الشكاوى وأوضاع الاحتجاز وحقوق الإنسان.

• رئاسة الجمهورية المصرية- توصيات الحوار الوطني المتعلقة بالمجال السياسي والحبس الاحتياطي.

• مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي- بنية المجال السياسي ودور الأجهزة الأمنية.

• صندوق النقد الدولي ووزارة المالية المصرية- الدين، الاستثمار العام، خدمة الدين وترتيب الأولويات المالية.

أ. أيمن صادق
+ مقالات

اترك تعليقاً