السياسة والاقتصاد والمجتمع في مصر: قراءة نقدية في 13 عاماً من نموذج الحكم (2-10) الاستقرار أم المؤسسات؟ كيف تقلصت المنافسة وارتفعت كلفة المعارضة؟

image_pdf

تمهيد: الاستقرار لا يُختبر بغياب البديل

انتهى المقال السابق إلى أن مركزية القرار لا تُقاس فقط بسرعة التنفيذ، بل بقدرة المؤسسات على مراجعته وتصحيحه. ويختبر هذا المقال الوجه الآخر للمسألة: ماذا يحدث حين تتحول الاستثناءات الأمنية والسياسية إلى قواعد ممتدة، وحين تضيق المسافة بين الدولة والنظام الحاكم؟ من هنا ننتقل إلى الانتخابات والأحزاب والمعارضة ودور الأمن والحبس الاحتياطي، لا لإنكار تحديات الاستقرار، بل لنسأل إن كان الاستقرار نفسه يصبح أكثر هشاشة عندما تضعف قنوات التنافس والتصحيح.

الاستقرار أم المؤسسات؟ سؤال زائف حين تتحول الاستثناءات إلى منهج دائم للحكم

يمتلك المدافعون عن مركزية القرار حجة لا يجوز تجاهلها: فقد واجهت مصر منذ 2013 تهديدات أمنية وإرهابية “مزعومة”، وحدوداً مضطربة، وحروباً وأزمات إقليمية وعالمية. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الإجراءات الاستثنائية والمؤقتة إلى منهج دائم للحكم، ويُستخدم خطاب السلطة القائم على التخيير بين النظام والفوضى، وبين القيود والإرهاب والانهيار، وبين قبول الأوضاع القائمة وتكرار مصائر الدول التي انهارت حول مصر، لترسيخ ثنائية زائفة أمام المواطن: إما النظام القائم وإما ضياع الدولة.

هذه ثنائية زائفة؛ فالبديل عن الحكم شديد المركزية ليس الفوضى، ولا يعني توسيع المجال السياسي انهيار الدولة، بل وجود مؤسسات قوية: برلمان يراقب، وقضاء مستقل، وأحزاب تتنافس، وإعلام يكشف الأخطاء، وإدارة محلية منتخبة، وانتقال للسلطة تحكمه القواعد لا الأشخاص.

وبعد ثلاثة عشر عاماً يصبح السؤال: إلى متى تبقى أدوات الاستثناء قواعد دائمة للحكم؟ فالاستقرار الحقيقي لا يقوم على الخوف من التغيير، بل على دولة تسمح بتغير الحكومات والسياسات والأشخاص من دون أن تهتز مؤسساتها أو يتعرض وجودها للخطر.

الدولة الأقوى هي الأكثر قدرة على تصحيح نفسها

الخلاصة التي تقود إليها هذه القراءة ليست أن مصر تفتقد مؤسسات الدولة، وإنما أن المشكلة الأعمق أصبحت في طبيعة العلاقة بين الدولة والحاكم؛ إذ تحولت ترتيبات قُدِّمت باعتبارها استثنائية ومؤقتة إلى قواعد مستقرة للحكم تتوسع وتترسخ مع الوقت.

وبالتوازي، نشأ خطاب سياسي وإعلامي يرفع كلفة التفكير في البديل، عبر ثنائيات متكررة: النظام أو الفوضى، الحاكم الحالي أو المجهول، الاستقرار أو انهيار الدولة. وهكذا لا يعود المطلوب فقط إقناع المواطن بأن النظام هو الأفضل، بل ترسيخ الخوف من أن يكون تغييره مخاطرة بالدولة نفسها. وهذه ربما إحدى أخطر نتائج النموذج؛ فالدولة القوية لا تحتاج إلى تخويف مواطنيها من مجرد وجود بديل سياسي.

ومن هنا تكتسب الدعوات التي ظهرت في 2026 لإعداد دستور جديد دلالة خاصة؛ إذ يصعب فصلها عن سابقة 2019، حين عُدلت القواعد الدستورية بما أتاح استمرار الرئيس حتى 2030. ويصبح السؤال مشروعاً: ماذا سيحدث عندما تقترب القيود الدستورية الحالية من نهايتها؟ فالخطر لا يتعلق بشخص الرئيس وحده، بل بقاعدة قد تستقر في الحياة السياسية: أن يصبح الدستور قابلاً لإعادة الصياغة كلما بلغت مدة الحاكم نهايتها. فإذا تحولت القاعدة من أن الحاكم يخضع للدستور إلى أن الدستور يتغير بما يسمح باستمرار الحاكم، تفقد القيود الدستورية جزءاً كبيراً من معناها.

وهنا يظهر الاختبار الحقيقي لقوة الدولة: الدولة القوية ليست التي لا يتغير حاكمها، بل التي لا تخاف من تغيره؛ يستطيع الرئيس أن يغادر، والحكومة أن تتغير، والمعارضة أن تصل إلى السلطة، بينما يظل الجيش جيش الدولة، والقضاء قضاءها، والإدارة تعمل، والاقتصاد مستمراً.

فالإنجاز الحقيقي لأي نظام حكم ليس أن يجعل نفسه بلا بديل، بل أن يبني دولة تستطيع الاستمرار بعده. ومصر لا تحتاج إلى دولة أضعف حتى تصبح أكثر ديمقراطية، بل إلى دولة أقوى من الحاكم نفسه؛ تكون فيها المؤسسات والقواعد وتداول السلطة مصادر للاستقرار، لا أخطاراً عليه.

المعارضة ليست خصماً للدولة

إذا كان الجزء الأول قد ناقش تركّز صناعة القرار حول مؤسسة الرئاسة، فإن الصورة لا تكتمل من دون النظر إلى البيئة التي يُفترض أن تُنتج البدائل: الأحزاب، والانتخابات، والمعارضة، والإعلام، والمجتمع المدني، والنقابات، والجامعات. فهذه المؤسسات ليست زينة ديمقراطية، بل المساحات التي تتعلم فيها النخب السياسة، وتختبر البرامج، وتبني التنظيمات، وتنتج أشخاصاً قادرين -نظرياً- على الانتقال من المعارضة إلى الحكم.

لكن قيمتها المؤسسية أنها تمنع احتكار الرؤية الواحدة، وتجبر السلطة على شرح قراراتها والدفاع عنها، وتتيح للمجتمع مقارنة البدائل. ومن هنا يصبح السؤال: ماذا يحدث لدولة تُضعف، على مدى سنوات، البيئة التي يُفترض أن تُصنع فيها البدائل السياسية؟

من 2014 إلى 2024: انتخابات رئاسية متعاقبة وتنافس يتقلص

في انتخابات 2014 واجه عبد الفتاح السيسي؛ حمدين صباحي، السياسي المعروف الذي حل ثالثاً في الجولة الأولى لانتخابات 2012، وأُعلن فوز السيسي بنسبة قاربت 97 في المئة. لكن السؤال الأهم لم يكن فقط: من الأكثر شعبية؟ بل: هل كانت البيئة السياسية تسمح بظهور منافسين قادرين على تحدي هذه الشعبية مستقبلاً؟

في 2018 تقلصت المنافسة بدرجة أكبر، خرجت أو انسحبت شخصيات كانت قد أعلنت أو ألمحت إلى الترشح في ظروف قانونية وسياسية مختلفة، وبقي موسى مصطفى موسى المنافس الوحيد للسيسي، رغم أنه كان قد أعلن تأييده له، وانتهت الانتخابات بإعلان فوز الرئيس بنسبة 97.08 في المئة. وفي الانتخابات التي أُجريت في كانون الأول/ ديسمبر 2023، والمسماة رسمياً انتخابات الرئاسة 2024، عاد التعدد إلى ورقة الاقتراع بثلاثة منافسين، وأعلن فوز السيسي بولاية ثالثة بنسبة 89.6 في المئة، فيما أعلنت الهيئة الوطنية للانتخابات مشاركة بلغت 66.8 في المئة من المسجلين، وهو محل نظر.

وهذه المشاركة لها دلالة لا ينبغي تجاهلها، لكنها لا تجيب وحدها عن سؤال التنافسية. فأحمد الطنطاوي، الذي كان يُنظر إليه باعتباره أبرز المنافسين المحتملين للسيسي، لم يتمكن من الوصول إلى ورقة الاقتراع بعد تعثره في جمع التوكيلات المطلوبة. ولم يقتصر الأمر على رواية حملته؛ إذ وثقت تقارير حقوقية وصحفية عراقيل ومضايقات تعرض لها مواطنون أثناء محاولة تحرير توكيلات له، إلى جانب توقيف واعتقال عدد من مؤيديه.

ولم ينتهِ الأمر بخروجه من السباق؛ فقد حوكم لاحقاً مع عدد من أعضاء حملته على خلفية اتهامه باستخدام وتداول نماذج توكيلات غير رسمية بعد تعثر جمع التوكيلات الرسمية، في قضية اعتبرتها منظمات حقوقية بتلفيقها عقاباً على نشاط سياسي سلمي وذات دوافع سياسية. وفي أيار/مايو 2024 تم تأييد الحكم بحبسه عاماً مع الشغل، مع منعه من الترشح للانتخابات لمدة خمس سنوات. وهنا تصبح القضية أكبر من شخص الطنطاوي نفسه: هل يستطيع منافس جاد الانتقال من مجرد النقد إلى بناء تنظيم انتخابي فعلي ومنافسة السلطة من داخل القواعد السياسية القائمة؟

الأحزاب: كثرة الأسماء لا تعني تعدد البدائل

يوجد في مصر عدد كبير من الأحزاب، وتشارك أحزاب معارضة ومستقلون في البرلمان. لكن كما أظهرت انتخابات مجلس النواب 2025، ما زالت هناك فجوة واضحة بين التعدد العددي وبين وجود منافسة حزبية قادرة على إنتاج بديل للحكم؛ فقد ظلت القوى المؤيدة للرئيس صاحبة الأغلبية المريحة، بينما بقيت المعارضة الحزبية محدودة الوزن مقارنة بحجم المجلس.

والمشكلة ليست أن الأحزاب المؤيدة تفوز؛ فهذا أمر طبيعي في أي نظام تنافسي إذا حصلت على ثقة الناخبين، المشكلة أن الحزب المعارض يحتاج سنوات كي يبني فروعاً، ويجذب أعضاء، ويدرّب مرشحين، ويخوض انتخابات، ويخسر بعضها ثم يتعلم منها. لا يمكن إغلاق المجال سنوات ثم فتحه قبل انتخابات رئاسية بأشهر ومطالبة المعارضة بتقديم بديل جاهز لحكم دولة بحجم مصر، فالبديل السياسي لا يُستدعى عند الحاجة، بل يُبنى تدريجياً داخل حياة سياسية طبيعية.

والمنافسة الحقيقية لا تعني أن تتساوى الأحزاب في القوة أو المقاعد، بل أن تظل أبواب النمو السياسي مفتوحة أمام الحزب الصغير إذا أقنع الناخبين. فإذا كانت قواعد التنظيم والتمويل والإعلام والانتخابات تجعل الصعود ممكناً نظرياً وعملياً، يمكن أن يتحول حزب هامشي اليوم إلى قوة رئيسية بعد سنوات. أما إذا تجمدت الموازين مسبقاً، يصبح التعدد موجوداً في الأسماء أكثر منه في إمكانية تداول النفوذ.

الأمن والمعارضة: ضرورة رسم الحدود

لا يمكن مناقشة المجال السياسي بعد 2013 من دون الاعتراف بأن مصر واجهت موجة عنف حقيقية، خصوصاً في شمال سيناء، وأن الجيش والشرطة والمدنيين ودور العبادة تعرضوا لهجمات دامية، وفق البيانات الرسمية وما وثقته كذلك مصادر مستقلة.

لكن الإشكالية تجاوزت مع الوقت مكافحة العنف إلى اتساع حضور الأجهزة الأمنية والاستخباراتية داخل المجال السياسي والمدني نفسه. فقد تحدثت دراسات وتقارير عن دور لهذه الأجهزة في تشكيل قوائم انتخابية، واختيار مرشحين وقيادات وكتل برلمانية، ودعم صعود أحزاب موالية؛ وتصف دراسة حديثة لمؤسسة كارنيغي تدخل الأجهزة الأمنية في اختيار المرشحين والقوائم وتكوين الكتل البرلمانية باعتباره سمة متكررة للنظام السياسي بعد 2013.

وفي المجال النقابي، وثقت تقارير اعتقال قيادات نقابية مستقلة قبيل احتجاجات عمالية، كما شهدت انتخابات النقابات العمالية في 2018 استبعاد مئات المرشحين غير المحسوبين على التيار الحكومي، وفق ما نقلته “هيومن رايتس ووتش” عن منظمات عمالية مستقلة.

أما في الجامعات، فوثقت “مؤسسة حرية الفكر والتعبير” تدخلات أمنية في بعض الشؤون الإدارية والأكاديمية، واشتراط موافقات أمنية لسفر بعض أعضاء هيئة التدريس، فضلاً عن القيود التي طالت الانتخابات والأنشطة الطلابية؛ وبعد فوز مستقلين برئاسة اتحاد طلاب مصر في انتخابات 2015-2016، لم تُعتمد النتيجة وجُمّد الاتحاد، ثم عُدلت قواعد النشاط الطلابي لاحقاً بصورة وسعت قدرة الإدارات على استبعاد مرشحين.

ومن هنا يصبح التمييز بين حماية الأمن وإدارة المجال السياسي ضرورة أساسية. فمن يحمل السلاح ليس كمن يكتب مقالاً، ومن يخطط لعمل عنيف ليس كمن ينظم حزباً أو نقابة أو نشاطاً طلابياً أو يطالب بتغيير سياسة عبر الانتخابات.

الحبس الاحتياطي: من توصيات الحوار إلى اختبار القانون الجديد

تحول الحبس الاحتياطي خلال السنوات الماضية إلى أحد أكثر الملفات السياسية والحقوقية إثارة للجدل. فبينما يفترض أن يكون إجراءً استثنائياً تقتضيه مصلحة التحقيق، وثقت منظمات حقوقية حالات أصبح فيها وسيلة لإبقاء معارضين ونشطاء رهن الاحتجاز لسنوات من دون حكم، عبر التجديد المتكرر وما عُرف بـ”التدوير”: إخلاء سبيل المتهم أو اقترابه من الحد الأقصى للحبس، ثم إدراجه في قضية جديدة باتهامات متشابهة ليبدأ احتجازه من جديد.

ولم تعد المسألة حالات فردية؛ ففي أيار/مايو 2025 أُحيل أكثر من ستة آلاف شخص إلى المحاكمة في نحو 186 قضية مرتبطة باتهامات بالإرهاب، وكان أكثر من نصفهم قد أمضوا شهوراً أو سنوات في الحبس الاحتياطي، وفق المبادرة المصرية للحقوق الشخصية. كما وثقت منظمات حقوقية استمرار “التدوير” بما يسمح بإبقاء بعض المحتجزين سنوات تتجاوز أحياناً العقوبة المحتملة ذاتها.

وتثير هذه الممارسة سؤالاً حساساً عن مدى استقلال جهات التحقيق والقضاء عن الأجهزة الأمنية. ولا يصح تعميم ذلك على النيابة أو القضاء كله، لكن تكرار النمط يجعل السؤال مشروعاً: هل ظل الحبس الاحتياطي إجراءً تفرضه ضرورة التحقيق، أم تحول في بعض القضايا السياسية إلى عقوبة فعلية قبل المحاكمة ومن دون حكم؟

ثم صدر قانون الإجراءات الجنائية رقم 174 لسنة 2025، المقرر بدء العمل به في 1 تشرين الأول/أكتوبر 2026، موسعاً بدائل الحبس الاحتياطي من ثلاثة إلى سبعة. وسيكون الاختبار الحقيقي في التطبيق: هل ينتهي التدوير؟ وهل تتراجع سنوات الاحتجاز بلا حكم؟ وهل يصبح الإفراج هو الأصل عند زوال مبررات الحبس.

ختام: البديل لا يولد عند فتح باب الترشح

لا تصبح الدولة أكثر استقراراً بإضعاف المنافسة ثم الاستناد إلى ضعف المنافسين دليلاً على غياب البديل، فالبديل السياسي يحتاج زمناً ومساحات آمنة وتجربة مؤسسية، كما يحتاج الأمن إلى حدود واضحة تفصل مكافحة العنف عن إدارة السياسة. ومن هنا ينتقل المقال التالي إلى المؤسسات التي تصنع الخبرة العامة -المجتمع المدني والنقابات والجامعات والإعلام- ثم إلى سؤال أعمق: ماذا يحدث للاقتصاد عندما يضعف المجال القادر على مراجعة القرار؟

مصادر ومراجع مختارة

• دستور جمهورية مصر العربية وتعديلاته- القواعد المنظمة للرئاسة ومددها والحقوق السياسية.

• الهيئة الوطنية للانتخابات- نتائج الانتخابات الرئاسية 2014 و2018 و2024.

• رويترز- انتخابات الرئاسة 2023/2024، حملة أحمد الطنطاوي ومحاكمته.

• مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي– “الجمهورية الثانية” وبنية النظام ودور الأجهزة الأمنية في المجال السياسي والحزبي.

• هيومن رايتس ووتش والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية- الانتخابات، الاعتقالات، الحبس الاحتياطي و”تدوير” المتهمين في القضايا السياسية.

• قانون الإجراءات الجنائية رقم 174 لسنة 2025- أحكام الحبس الاحتياطي وبدائله.

أ. أيمن صادق
+ مقالات

اترك تعليقاً