تمهيد: من سؤال الاقتصاد إلى سؤال صناعة القرار
في الدراسة السابقة عن الاقتصاد المصري كان السؤال الأساسي: لماذا لم يشعر المواطن بثمار التحسن الذي ظهر في بعض المؤشرات الاقتصادية؟ وكان يمكن أن تبقى الإجابة في حدود الدين والتضخم وسعر الصرف والاستثمار والإنتاج ودور الدولة والقطاع الخاص، لكن مواصلة البحث تقود إلى مستوى أعمق: من يحدد أولويات الإنفاق؟ ومن يراجع جدوى المشروعات الكبرى؟ وما قدرة البرلمان والخبراء والصحافة والأجهزة الرقابية على الاعتراض والمحاسبة إذا ثبت أن بعض القرارات كانت مرتفعة الكلفة؟
من هنا تنطلق هذه السلسلة. وهي لا تفترض أن كل أزمة اقتصادية أو اجتماعية سببها السياسة، ولا أن الديمقراطية وصفة سحرية للنمو، بل تطرح سؤالاً أكثر تحديداً: هل أدى النموذج السياسي الذي تشكل بعد 2013، بما صاحبه من تركّز متزايد لصناعة القرار، إلى إضعاف قدرة الدولة على المراجعة والتصحيح؟ فإذا كان الجواب نعم، يصبح الإصلاح المؤسسي والسياسي جزءاً من الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي، لا ملفاً منفصلاً عنه.
من استعادة الدولة إلى مركزية القرار
جاء النظام الذي تشكل بعد 2013 حاملاً وعداً واضحاً -كمحاولة منه لتسويق نفسه وتثبت دعائمه- باستعادة الاستقرار، تثبيت مؤسسات الدولة، ومواجهة اضطراب أمني وسياسي رأت قطاعات من المصريين أنه يهدد كيان الدولة ذاته. وبعد تولي عبد الفتاح السيسي الرئاسة في 2014، أصبح مفهوم “الدولة القوية” المزعوم عنواناً مركزياً للمرحلة. واستطاعت السلطة التنفيذية حشد أجهزة الدولة وتنفيذ مشروعات وبنية أساسية بسرعة، وهو ما استُخدم أيضاً لبناء شرعية الإنجاز وترسيخ صورة القيادة القادرة على الحسم.
لكن السؤال مع مرور الوقت أصبح: هل قوة الدولة هي نفسها قوة السلطة التنفيذية؟ الدولة المؤسسية القوية تحتاج حكومة قادرة، لكن أيضاً برلماناً مستقلاً في الرقابة، وقضاءً تحميه قواعد الاستقلال، وأجهزة رقابية تملك المعلومات، وإدارة محلية ذات صلاحيات، وإعلاماً يكشف الخلل، وأحزاباً تقدم بدائل. وعندما تتركز القدرة على المبادرة والتنفيذ في مركز واحد بينما تضعف مراكز المراجعة، تصبح الدولة أسرع في اتخاذ القرار، لكنها قد تصبح أبطأ في اكتشاف الخطأ.
تعديلات 2019 وتغير ميزان المؤسسات
مثلت التعديلات الدستورية في 2019 محطة أساسية في هذا المسار؛ إذ أصبحت مدة الرئاسة ست سنوات بدلاً من أربع، مع أحكام انتقالية أتاحت للسيسي الاستمرار حتى 2030. كما توسع دوره في اختيار رؤساء جهات وهيئات قضائية، وأضاف تعديل المادة 200 إلى مهام القوات المسلحة أدواراً تتصل بصون الدستور والديمقراطية ومدنية الدولة ومكتسبات الشعب. القضية هنا ليست افتراض نوايا بعينها، بل تصميم النظام: كلما اتسعت صلاحيات المركز ازدادت الحاجة إلى رقابة وموازنة وشفافية حقيقية.
البرلمان: وجود المؤسسة لا يكفي.. ومن يصنع أغلبيتها؟
ظلت مصر بلا مجلس نواب عامل منذ حل مجلس الشعب –المسمى مجلس شعب الثورة– في حزيران/يونيو 2012، وحتى إجراء الانتخابات البرلمانية في أواخر 2015، بعد إقرار دستور 2014.
برلمان 2015: من استعادة المؤسسة إلى بناء أغلبية موالية: في تلك الانتخابات فازت قائمة “في حب مصر” بجميع مقاعد القوائم، وتشكل المجلس بأغلبية واسعة مؤيدة للرئيس، وسط تقارير وشهادات بحثية وصحفية تحدثت عن دور لأجهزة سيادية وأمنية في تشكيل القوائم وترتيب بعض التوازنات.
برلمان 2020: من الائتلاف الموالي إلى الحزب المهيمن: في 2020 انتقل النظام إلى مرحلة أكثر تنظيماً مع صعود حزب “مستقبل وطن” إلى موقع الحزب المهيمن، وحصوله على أكثر من نصف مجلس النواب وأغلبية كبيرة في مجلس الشيوخ. وتحدثت تقارير عن دور للأجهزة الأمنية في تجميع “القائمة الوطنية من أجل مصر” وترتيب حصص الأحزاب والمرشحين.
انتخابات 2025: أغلبية تتجاوز الثلثين: جاءت انتخابات 2025 بقائمة وطنية واحدة مؤهلة في نظام القوائم، وانتهت بعد إلغاء وإعادة نتائج في عدد من الدوائر إلى مجلس يتمتع فيه مؤيدو الرئيس بأغلبية تتجاوز الثلثين، بينما حصلت المعارضة والمستقلون على نحو 158 من أصل 568 مقعداً منتخباً، مع تعيين رئيس الجمهورية 5 في المئة من الأعضاء. وظهرت أيضاً تقارير عن استمرار دور الأمن الوطني والمخابرات العامة في بعض ترتيبات المرشحين والتوازنات.
من تأمين الانتخابات إلى التأثير في صناعة البرلمان:
عند جمع الدورات الثلاث معاً تظهر صورة أكثر دلالة: ففي 2015 تشكل ائتلاف واسع موالٍ للرئيس وسط تقارير عن دور للأجهزة السيادية في بناء قائمته الأساسية. وفي 2020 تحول مركز الثقل إلى حزب “مستقبل وطن”، بالتوازي مع تقارير عن دور أكبر في إدارة الترتيبات الحزبية والانتخابية. وفي 2025 استمر النموذج عبر قائمة وطنية واحدة وأغلبية موالية تجاوزت الثلثين.
المشكلة ليست أن البرلمان غير موجود، بل درجة استقلال المؤسسة التي تنتجها هذه الانتخابات عن مركز السلطة. فإذا كانت مؤسسات يفترض أن تخضع للرقابة البرلمانية تشارك، وفق ما توثقه تلك التقارير، في تشكيل القوائم والأغلبية، يظهر سؤال جوهري: كيف يراقب البرلمان مؤسسات شاركت في صناعة تركيبته السياسية؟ فالأغلبية الحكومية ليست في ذاتها دليلاً على غياب الديمقراطية؛ السؤال هو: كيف تكوّنت؟ وهل يستطيع البرلمان أن يرفض ويعدل ويستدعي ويحاسب فعلاً؟
الأحزاب والقضاء والإعلام: أجهزة إنذار أم امتداد لمركز السلطة؟
الأحزاب: تعددية في الأسماء ومحدودية في الاستقلال: لا تعاني مصر نقصاً عددياً في الأحزاب؛ بعضها قديم محدود التأثير، أقرب إلى ما يصفه المصريون ساخراً بـ”الأحزاب الكرتونية”، وبعضها صعد بعد 2013 في ظل علاقات دعم أو نفوذ مع أجهزة الدولة، وفق دراسات متعددة. وهنا لا يكون السؤال كم حزباً يوجد، بل كم حزباً يستطيع التنظيم المستقل، والوصول إلى الجمهور، وبناء برنامج ومرشح للحكم دون الاعتماد على رضا أجهزة الدولة؟
الإعلام: عندما تتحول الشاشات المختلفة إلى صوت واحد: أما الإعلام، فقد شهد توسع ملكية وإدارة شركات مرتبطة بجهات سيادية في قنوات وصحف ومواقع وشركات إنتاج وإعلان، مع تقارير عن توجيهات تحريرية متقاربة. ومن هنا ظهر التعبير الساخر “إعلام السامسونج” للدلالة على “السكريبت الواحد” الذي تردده منابر مختلفة. وعندما تصبح عشرات الشاشات أشبه بنشرة واحدة بأصوات متعددة، تفقد الدولة جهاز إنذار مبكراً كان يفترض أن يكشف الفساد وسوء الإدارة والغضب الاجتماعي قبل تفاقمه.
القضاء: الاستقلال بين النص والتعيينات والنفوذ السياسي: في القضاء لا يجوز اختزال آلاف القضاة في حكم سياسي واحد، لكن تبقى مشكلات هيكلية تتعلق بالمحسوبية وشبكات القرابة في التعيينات، واتساع دور الرئيس في اختيار القيادات القضائية بعد 2019، والجدل حول دوائر بعينها تتولى بصورة متكررة قضايا سياسية وإرهابية حساسة، إضافة إلى ضغوط تعرض لها بعض القضاة الذين اصطدموا بتوجه السلطة. القضية ليست فقط استقلال القاضي الفرد، بل مدى قدرة المؤسسة نفسها على حماية استقلالها.
والخيط الذي يجمع الأحزاب والإعلام والقضاء واحد: الدولة القوية تحتاج مؤسسات مستقلة تستطيع مراجعة القرار ونقده، لا مجرد ترديده؛ فإذا انتظر الحزب إشارة السلطة، وردد الإعلام خطاباً واحداً، وخضع القضاء لضغوط التعيين والنفوذ، تعطلت أهم آليات اكتشاف الخطأ وتصحيحه مبكراً.
الإدارة المحلية: المركزية من القمة إلى القاعدة
ينص الدستور على مجالس محلية منتخبة تملك أدوات رقابية، لكنها ظلت غائبة طوال سنوات الدراسة، فحُرم المواطن من أبسط مستويات الرقابة على الخدمات والتنمية، وحُرمت الأحزاب والشباب من مدرسة سياسية تبدأ بالحي والمدينة.
كما أن المحافظ لا ينتخبه سكان محافظته، بل يعينه رئيس الجمهورية بعد عمليات فحص تشارك فيها جهات رقابية وسيادية وأمنية بحسب تصريحات وتقارير منشورة. وكشفت حركات محافظين متعاقبة عن حضور لافت للقادمين من المؤسستين العسكرية والشرطية، وهو نمط يمتد كذلك إلى السكرتير العام ورؤساء المدن ومواقع تنفيذية أخرى.
وفي 2020 أوجب القانون رقم 165 وجود مستشار عسكري ومساعدين يعينهم وزير الدفاع لكل محافظة، مع اختصاصات تشمل متابعة الخدمات والمشروعات، والتواصل مع المواطنين، وحضور اجتماعات المجلس التنفيذي ورفع تقارير للجهات المختصة. ولا يلغي ذلك صلاحيات المحافظ قانوناً، لكنه ينشئ بنية عسكرية موازية داخل الحكم المحلي، ويعزز مركزية الإدارة بدلاً من بناء سلطة محلية منتخبة ومستقلة.
وهنا تكتمل دائرة المركزية: غياب المجالس المنتخبة، وتعيين المحافظين والقيادات من أعلى، واتساع الحضور العسكري والأمني، يحول المحافظة من وحدة حكم محلي تمثل المواطنين إلى ذراع تنفيذية للمركز.
من مركزية القرار إلى اقتصاد الدولة والجيش: ما علاقة ذلك بالدولار والدَين والاستثمار؟
هنا يظهر البعد الاقتصادي للمسألة بوضوح. فالنشاط الاقتصادي للقوات المسلحة أقدم من 2013، لكن حجمه ونطاقه اتسعا بعد ذلك. وتحدث صندوق النقد عن نحو 80 شركة مملوكة لجهات عسكرية خارج قاعدة بيانات الشركات الحكومية التي تناولها، بينما أشارت دراسات إلى إدارة الجهات العسكرية نسبة كبيرة من مشروعات البنية الأساسية والإسكان، إلى جانب نشاط في الطرق والعاصمة الإدارية والإسكان والأراضي والأسمنت والتعدين والوقود والاستزراع السمكي والصناعات الغذائية.
كما تُسند مشروعات قومية إلى الهيئة الهندسية وجهات عسكرية ثم تنفذ شركات مدنية أجزاء كبيرة منها كمقاولين من الباطن. وقد تحقق هذه الآلية سرعة في التنفيذ، لكنها تثير أسئلة عن المنافسة المفتوحة، والشفافية، وهامش الإدارة، وقدرة البرلمان والأجهزة الرقابية على معرفة التكلفة الحقيقية. والمشكلة الأعمق تظهر عندما ينافس المستثمر الخاص جهة تنتمي إلى الدولة التي تملك الأرض وتمنح التراخيص والعقود، بينما تشير تقارير دولية إلى مزايا تاريخية لبعض الشركات العسكرية في الضرائب، والأراضي، والإجراءات، والعمالة.
ولا يتعلق السؤال فقط بالاقتصاد؛ فكلما توسعت المؤسسة العسكرية في إدارة المصانع والمزارع والمقاولات والأسواق، أصبح من المشروع السؤال عن مقدار الوقت والكوادر والطاقة التي تتحول من الوظيفة العسكرية الأصلية إلى النشاط التجاري. وقد تحولت هذه المفارقة إلى مادة للسخرية الشعبية في تعبيرات مثل “قائد خط الجمبري”.
وسنتناول هذا الملف بتوسع أكبر في الجزء المخصص للعلاقة بين بنية الحكم والاقتصاد.
ختام: المركزية لا تُقاس بسرعة القرار وحدها
تكشف هذه القراءة أن جوهر المسألة ليس وجود سلطة تنفيذية قوية، بل ما إذا كانت قوة التنفيذ تقابلها قوة موازية للمراجعة والمحاسبة. فكلما تركز القرار وامتد أثره إلى البرلمان والإعلام والقضاء والمحليات والاقتصاد، أصبحت قدرة الدولة على تصحيح نفسها جزءاً من تعريف قوتها.
وفي المقال التالي ننتقل من مركز صناعة القرار إلى المجال الذي يُفترض أن ينتج البدائل، لنسأل كيف أثرت سنوات الاستثناء في المنافسة والمعارضة وحدود العمل السياسي.
مصادر ومراجع مختارة
• الهيئة العامة للاستعلامات- دستور جمهورية مصر العربية وتعديلاته، بما فيها تعديلات 2019.
• لجنة الحقوقيين الدولية- تعديلات دستور 2019 واستقلال القضاء.
• رويترز- انتخابات مجلس النواب 2025 ونتائجها وإعادة بعض الدوائر.
• مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي– “الجمهورية الثانية” ودراسات بنية النظام والبرلمان والأحزاب والأجهزة الأمنية والإعلام.
• القانون رقم 165 لسنة 2020- تنظيم دور المستشار العسكري بالمحافظات.
• صندوق النقد الدولي- تقارير مصر 2025 و2026 بشأن بصمة الدولة والشركات العسكرية وتكافؤ المنافسة.




