المقال الثالث ما بعد الترشيد: هل تستطيع مصر أن تهندس وفرة مائية نسبية؟ هل الوفرة حلم لغوي في بلد جاف، أم مفهوم هندسي واقتصادي يمكن بناؤه؟

image_pdf

الوفرة لا تعني إنكار الجغرافيا
مصر لن تتحول إلى بلد ممطر، ولن تختفي محدودية النيل. لكن الدول لا تعيش على الطبيعة وحدها؛ إنها تعيش على قدرتها على تنظيم الموارد وتحويل المعرفة إلى إنتاج. الوفرة النسبية تعني أن تزيد الخدمة والقيمة المتحققة من كل وحدة ماء، وأن تستعيد المياه المتداولة، وأن تنوع المصادر، وأن تقلل حساسية الاقتصاد للصدمات.
في الخليج، لم تلغ التحلية الجفاف لكنها صنعت قدرة حضرية وصناعية ضخمة. وفي الأردن، فرضت الندرة تطوير خبرات في إعادة الاستخدام وإدارة الطلب. وفي سنغافورة، تحولت المياه المعالجة إلى مورد عالي الثقة. الدرس ليس نسخ نموذج بعينه، بل الاعتراف بأن الندرة الطبيعية يمكن أن تُقابل بوفرة مؤسسية وتقنية.
هرم الأولويات لا سباق المشروعات
أرخص متر مكعب جديد هو غالباً المتر الذي لا يتسرب أو لا يُلوث، يليه المتر المعاد استخدامه بأمان، ثم المورد غير التقليدي الذي يتطلب طاقة ورأسمالاً. لذلك يجب أن تبدأ السياسة بمنع الفاقد والتلوث، ثم رفع الإنتاجية الزراعية، ثم إعادة الاستخدام، ثم التحلية للمناطق والقطاعات التي تبرر كلفتها.
هذه الأولويات تمنع الانبهار بالمشروعات الكبرى على حساب الإصلاح الأقل ظهوراً والأعلى عائداً. إصلاح شبكة متقادمة أو ضبط ضغطها قد يكون أقل جاذبية إعلامياً من افتتاح محطة، لكنه أحياناً يضيف مورداً فعلياً بتكلفة أقل بكثير.
معادلة يمكن قياسها
الوفرة النسبية تُقاس بمزيج من الموارد الطبيعية والمياه المستعادة والمياه المنتجة وخفض الفواقد، ثم تُضرب في إنتاجية الاستخدام وموثوقية الخدمة، ويُخصم منها التدهور البيئي ومخاطر الصدمات. بهذه النظرة يصبح السؤال: ما صافي الأمان والقيمة، لا ما السعة الاسمية للمشروع؟
إلى المقال التالي: ولكن من الذي يصنع هذه الوفرة؟ المال وحده لا يكفي؛ فهناك أصل أكثر ندرة: المعرفة المنظمة.

د. علاء الدين إبراهيم عيد
+ مقالات

اترك تعليقاً