الحياة التنظيمية والسياقات الديمقراطية في العمل المهني

الحياة التنظيمية والسياقات الديمقراطية في العمل المهني
image_pdf

يشكل الجانب التنظيمي وآليات العمل في المنتدى المصري للكفاءات والخبرات حالة نوعية متفردة تتناسب والأهداف المستقبلية التي حددها المنتدى في أهدافه السبعة، وهي، بشكل عملي، تجسد الحاجة إلى ضمان الاستدامة في الأنشطة التي تعبر عن الغاية الوطنية المرجوة من هذا التجمع المهني المنظم في صيغته وأساليب عمله.

وهذا التجمع لا يمكن أن يحقق أهدافه دون أن يكون نموذجًا في البناء التنظيمي وآليات العمل؛ ومن خلال ممارسة السلوك الديمقراطي والشفافية والحوكمة بمعانيها المعبرة عن لقاء المعرفة مع التجربة الميدانية، والحاجة إلى تطبيق ذلك من أجل بناء الوطن وضمان تجاوز مشكلاته وتحقيق الرفاهية والحياة الكريمة لأبنائه. إنه بهذا المعنى حاجة وطنية ملحة في الظرف الراهن، لا تقبل التأجيل أو المساومة.

ومعنى المواطنة في إطار فهم وإدراك دور المنتدى التاريخي يتجلى في الممارسة الديمقراطية لاختيار قيادات المنتدى، وعلى مستوى لجانه وتشكيلاته المختلفة، عبر صيغة الانتخاب المباشر، لضمان الممارسة الديمقراطية التمثيلية الحقة، وإتاحة المجال أمام الكفاءات والخبرات للمشاركة الفاعلة في صناعة القرار داخل مؤسستهم المهنية.

إن المؤتمر التأسيسي الأول للمنتدى المصري للكفاءات والخبرات، ينبغي عقده باعتباره محطة أساسية في تأسيس البناء التنظيمي للمنتدى وترسيخ قواعد عمله، وبمشاركة واسعة من الكفاءات والخبرات المصرية، بحيث يعبر أسلوب الدعوة إليه وإدارته وانتخاب قيادة المنتدى ولجانه المختصة عن نموذج يترجم، في معناه ودلالاته، دور النخب والكفاءات في الحياة الفكرية والمهنية، وفي بناء مصر وتقدمها.

والعمل الفكري والممارسة الديمقراطية داخل البناء التنظيمي للمنتدى ليست منهجًا مؤقتًا، وإنما هي إيمان بالطريق الأفضل الذي يعبر بحق عن غاية بناء المنتدى في هذه الظروف البالغة الدقة، والهدف الذي يسعى نحوه لمواجهة تداعيات التفكك والتشظي في النسيج الاجتماعي، وما أفرزته التحولات السياسية والمجتمعية من استقطاب وصدام. فقد كشفت أحداث الانقلاب على الديمقراطية وفشل النخب في تجاوز الصدام والبحث عن مسارات بديلة عن الحاجة إلى إطار وطني مهني قادر على جمع الكفاءات والخبرات، وتعزيز الحوار، وتقديم نموذج مختلف في إدارة الاختلاف والعمل المشترك.

ومن هنا كان لابد من جمع الكفاءات والخبرات المصرية في صيغة تنظيمية فاعلة، جامعة ومتماسكة، تقوم على العمل المهني والديمقراطي، وتستند إلى روح المواطنة والانتماء، بحيث يكون المنتدى نموذجًا للتكامل الوطني، وتعبيرًا عن قدرة الكفاءات المصرية على تجاوز الخلافات، والالتقاء حول المصالح الوطنية العليا، والمساهمة في بناء مصر المستقبل.

وعبرت تفاصيل النظام الأساسي للمنتدى المصري للكفاءات والخبرات عن المشروعية الوطنية لمثل هذا التجمع، وأوكلت إلى الجمعية العمومية، باعتبارها أعلى سلطة في المنتدى، مسؤولية رسم السياسات العامة وإصدار القرارات والبرامج للدورة الانتخابية القادمة، وهي التي تتولى أيضًا مراجعة وتقييم أعمال الأمانة العامة خلال الدورة الانتخابية، وفق المدة التي يحددها النظام الأساسي، كما تعقد الجمعية العامة اجتماعاتها للنظر في جملة من القضايا الإدارية والمالية للمنتدى خلال الفترة السابقة.

وتبقى الحياة التنظيمية في المنتدى مرتبطة بالتغيير والتطور، وبالإجابة على التساؤلات والمعضلات التي تواجه عملية الحفاظ على مسيرة البناء والتقدم الحضاري. فالمشاركة الجماعية من قبل الكفاءات والخبرات المصرية بهذا الشكل المنظم، وبتراكم الخبرات والمعارف، وعبر الممارسة الطوعية، إنما تشكل جوهر معنى الموقف الوطني في الانعطافات التاريخية الحاسمة في حياة الشعوب والأمم.

وعمليًا، فإن الفكرة السامية التي تتجسد في لقاء مجموعات كبيرة من الناس الذين يجتمعون حول فكرة واحدة وباتجاه تحقيق أهداف معينة، تعتبر بحد ذاتها انتصارًا وتحولًا كبيرًا في حياة المجتمعات الحديثة. ولقاء الكفاءات والخبرات المصرية في هذه المرحلة التاريخية البالغة الدقة والأهمية يمثل أحد أغلى وأهم أهداف المنتدى؛ وهو جمع الخبرات والكفاءات العلمية والمهنية المصرية، سواء تلك الموجودة داخل الوطن أو التي اضطرتها الظروف المختلفة إلى العمل والإقامة في بلدان العالم.

إن المنتدى المصري للكفاءات والخبرات، وهو يجمع هذه الطاقات تحت رايته، يمثل إطارًا اعتباريًا للكفاءات والخبرات المصرية التي تنهض بدور فاعل في مسيرة البناء والتغيير. ومن خلال استخدام العلم والتقانة الحديثة وتوظيفها لأغراض رفاهية المواطن المصري وبناء الوطن وضمان أمنه الاقتصادي والاجتماعي، يمكن لهذه الكفاءات أن تؤدي دورًا أكبر وأكثر تأثيرًا في بناء مصر المستقبل.

وبالإضافة إلى تعزيز العمل الديمقراطي في بنية المنتدى التنظيمية وأسلوب عمله، فقد أضحت معايير السلوك والإنجاز على مستوى الأعمال المناطة باللجان المتخصصة للمنتدى مرتبطة بالقواعد المنهجية والعلمية العامة، وإعطاء الأولوية لحاجة الوطن ومتطلباته الراهنة. ولذلك ينبغي أن تتجه أعمال المنتدى إلى عقد الندوات التخصصية التي تقدم الدراسات والبحوث الشاملة والعلمية عن الأوضاع السائدة في مختلف قطاعات العمل والإنتاج، والجوانب الحياتية والاجتماعية والإعلامية والثقافية التي يعيشها الوطن في الوقت الراهن، وما يرتبط بها من تحديات ومشكلات تحتاج إلى معالجة علمية ومهنية.

وقد تشهد المرحلة المقبلة أنشطة المنتدى المختلفة ومبادرات وطنية رائدة، تعبر عن دوره في خدمة العلم والمعرفة والمجتمع، وتترجم انتماء أعضائه إلى وطنهم، وتفتح المجال أمام الكفاءات والخبرات للمساهمة العملية في معالجة القضايا الوطنية، ودعم المؤسسات العلمية والتعليمية، ونقل خبراتهم وعلومهم إلى الأجيال القادمة.

ولا شك أن البنية التنظيمية المرنة والفاعلة هي بحد ذاتها تعبير عن حيوية وقدرة هذه المؤسسة الوطنية، المنتدى المصري للكفاءات والخبرات، على النهوض بواجباتها، والنجاح في تنظيم العمل الطوعي لأعضائها، وتمكينهم من إيجاد الفرص للتعبير عن معنى الانتماء للوطن، ونقل خبراتهم وعلومهم إلى الأجيال القادمة.

إنها في جوهرها حياة تنظيمية مهنية تقوم على الديمقراطية، وتستند إلى العلم والخبرة، وتضع مصلحة الوطن في مقدمة أولوياتها، وتمنح الكفاءات المصرية دورها الطبيعي في بناء مصر المستقبل.

د. علاء الدين إبراهيم عيد
+ مقالات

اترك تعليقاً