تُمثّل المسيرة العلمية للباحث المصري الدكتور أيمن الصباغ، أستاذ المحاصيل وفسيولوجيا النبات والمُنسّق الأكاديمي بجامعة سيرت التركية، نموذجاً مُلهماً للباحث المصرى الذي انطلق من جذور ريفية بسيطة ، ليُسهم بجهوده البحثية في إثراء المعرفة العلمية وتعزيز حضورها في المحافل الأكاديمية الدولية.
ويستعرض هذا المقال العلمي التحريري أبرز محطات مسيرته بين مصر واليابان وتركيا، مستندًا إلى حوار معه تناول تجربته البحثية، وفلسفته في العمل الجماعي، ورؤيته لتوظيف علوم النبات في مواجهة تحديات التغير المناخي وتعزيز الأمن الغذائي المصرى و العربي.
كما تناول دلالات إدراجه ضمن قائمة أفضل 2% من العلماء الأكثر تأثيرًا عالميًا، مع قراءة موضوعية لمكانة هذا التصنيف وحدوده، والتمييز بين مؤشرات التأثير البحثي والأثر التطبيقي الفعلي للبحوث في خدمة المجتمع.
1. محطات أكاديمية وتحديات دولية: من هيروشيما إلى تركيا
نشأ الدكتور أيمن الصباغ في أسرة مصرية بسيطة بأرض الدلتا، وتخرج في جامعة كفر الشيخ التي يصفها بجامعته الأم وركيزة تكوينه العلمي والأكاديمي، . وشكّلت بعثته الحكومية المصرية للحصول على درجة الدكتوراه بالتعاون مع جامعة هيروشيما اليابانية، عام 2010، نقطة انطلاق مهمة في مسيرته البحثية الدولية، أتاحت له الانفتاح على بيئة علمية مختلفة واكتساب خبرات بحثية متقدمة.
وقد أسهمت التجربة اليابانية في صقل مهاراته البحثية وترسيخ التزامه بالانضباط المنهجي والدقة التجريبية. ويستحضر الصباغ من تلك التجربة ما يصفه بـ«ثقافة النفس الطويل»، بما تنطوي عليه من صبر ومثابرة ودقة في العمل، والتزام بالاحتكام إلى الأدلة والنتائج التجريبية الفعلية.
واصل الصباغ مسيرته البحثية من خلال منحة ما بعد الدكتوراه من هيئة الأبحاث العلمية والتكنولوجية التركية) تُوبِيتاك – (TÜBİTAK، حيث عمل باحثاً زائراً بجامعة شوكوروفا في مدينة أضنة لأربعة أعوام ونصف (2015–2019)، وانتقل بعدها للعمل الأكاديمي بجامعة سيرت (Siirt University) في تركيا، حيث واجه تحديات التأقلم مع البيئة الأكاديمية الجديدة، واختلاف لغة التدريس، والإجراءات الإدارية. واستطاع عبر المرونة والصبر بناء فرق بحثية وتوسيع شبكة تعاونه العلمي لتضم أكثر من 50 مؤسسة وهيئة دولية حول العالم.بما يعكس أهمية الشراكات البحثية في تبادل الخبرات وتعزيز الإنتاج العلمي المشترك.
2. التصنيف العالمي (ستانفورد/إلسفير): قراءة موضوعية في مؤشرات التأثير البحثي
حفل الحوار بنقاش تحليلي حول إدراج الدكتور الصباغ للمرة الثالثة على التوالي ضمن قائمة جامعة ستانفورد الأمريكية بالتعاون مع دار النشر العالمية “إلسفير” لأفضل 2% من العلماء الأكثر تأثيراً في العالم.
وقد حرص الصباغ على تقديم قراءة علمية متوازنة لهذه التصنيفات، تؤكد أهمية مؤشرات التأثير البحثي، مع ضرورة فهمها في سياقها المنهجي، وعدم اعتبارها مقياسًا شاملًا ونهائيًا للقيمة العلمية للباحث. ويمكن تناول أبرز جوانب التصنيف على النحو الآتي:
• آلية التصنيف ومعاييره: ترتبط قائمة العلماء الأكثر استشهادًا، التي أُطلقت عام 2019 بالتعاون بين جامعة ستانفورد ودار النشر العالمية «إلسفير» (Elsevier)، بقاعدة بيانات ببليومترية تعتمد على بيانات الاستشهادات العلمية ومجموعة من المؤشرات المركبة لتقييم التأثير البحثي. وتشمل هذه المؤشرات إجمالي الاستشهادات بالأبحاث المنشورة، ومؤشر هيرش (H-index)، إلى جانب مؤشرات أخرى تتعلق بالإنتاج العلمي والاستشهادات المعدّلة وفقًا لطبيعة المجال البحثي، مع التمييز بين التأثير العلمي خلال عام محدد والتأثير التراكمي طوال المسيرة البحثية.
• قياس الأثر العلمي لا الأفضلية المطلقة: شدد الصباغ على أن التصنيف يقيس التأثير البحثي من خلال مؤشرات كمية، من أبرزها حجم الاستشهادات بالأبحاث ومدى الاستفادة منها في الأدبيات العلمية “تأثير الأبحاث ومدى الاستعانة بها” وليس”الأفضلية المطلقة أو المعصومية العلمية” وأكد أن الخروج أو الدخول في هذه القوائم يرتبط بالمنهجية المعتمدة ومعايير التصنيف وبيانات الاستشهادات المتاحة، وهي عوامل قد تتغير بمرور الوقت ، وأن عدم وجود باحث فيها لا ينفي عنه التميز والابتكار.
• المردود الأكاديمي والمؤسسي: يُسهم التصنيف في تعزيز السمعة الأكاديمية للباحث ومؤسسته الأكاديمية التى ينتمى اليها. كما يفتح آفاقاً واسعة لاستقطاب التمويلات والمنح البحثية الدولية الشاملة.
وقد يساعد هذا الحضور في توسيع فرص التعاون العلمي الدولي، وبناء الشراكات البحثية.
3. بيولوجيا النبات والأمن الغذائي: حلول عملية للتغيرات المناخية
تتركز الاهتمامات البحثية للدكتور الصباغ في علوم بيولوجيا النبات والمحاصيل الحقلية، مع التركيز على تحسين كفاءة المحاصيل في مواجهة الإجهادات البيئية. وتطوير أساليب علمية تسهم في تحسين أداء المحاصيل الزراعية في ظل التغيرات المناخية. وتكتسب هذه الأبحاث أهمية خاصة في مواجهة تحديات الجفاف والملوحة وارتفاع درجات الحرارة ونقص الموارد المائية، بما يدعم استدامة الإنتاج الزراعي ويعزز الأمن الغذائي.
أهم القضايا والتطبيقات الميدانية:
أ. سد الفجوة الغذائية في المحاصيل الاستراتيجية: أشار الصباغ إلى وجود نقص حاد في الاكتفاء الذاتي بمصر في محاصيل الزيوت (حيث لا يتجاوز الإنتاج المحلي 10% إلى 15%)، وفي محصول القمح (الذي يتراوح الاكتفاء الذاتي فيه بين 45% و55%)، مما يتطلب أبحاثاً مكثفة لتعظيم زيادة الانتاجيه والجوده وتقليل الفاقد لتعزيز قدرة النظم الزراعية لتحقيق الاكتفاء الذاتى.
ومن شأن تكامل هذه الجهود أن يسهم في تعزيز الإنتاج المحلي، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، ودعم الأمن الغذائي المصري.
ب. مقاومة التغيرات المناخية ونقص المياه: تعكف الأبحاث الحالية على استنباط وتقييم أصناف نباتية قادرة على تحمل الجفاف والملوحة وارتفاع ، فضلًا عن تطوير ممارسات زراعية تسهم في تحسين كفاءة استخدام المياه لضمان استدامة الموارد الطبيعية.
ت. مشروع بحثي دولي مشترك: يقود الصباغ بالتعاون مع فريق بحثي عابر للقارات (يضم باحثين من كندا، والولايات المتحدة الأمريكية، والهند، والمركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة “إيكاردا”) مشروعاً لتقييم استجابة المحاصيل للتغير المناخي؛ وهو مشروع ممول بالكامل من جهات خارجية نتيجة لاستيفاء الباحث وجامعته المعايير الدولية.
ويعكس هذا التعاون أهمية الشراكات البحثية العابرة للحدود في تبادل الخبرات وتطوير حلول علمية للتحديات الزراعية العالمية.
4. فلسفة العمل البحثي: التميز إنجاز جماعي متراكم
صاغ الدكتور الصباغ رؤيته للإنتاج العلمي المتميز عبر دحض فكرة “الباحث الفردي السوبر”:
وينطلق هذا التوجه من أن البحث العلمي المعاصر يقوم على تكامل الخبرات وتعدد التخصصات وتبادل المعرفة، بما يتيح معالجة المشكلات العلمية المعقدة، وتعزيز جودة المخرجات البحثية، وتوسيع نطاق التعاون بين الباحثين والمؤسسات الأكاديمية.
• فلسفة الطيران الجماعي: قارن العمل البحثي بسرب الطيور المهاجرة التي تتآزر لتزيد طاقتها وقدرتها على الطيران بمعدلات تتضاعف عدة مرات مقارنة بالطيران الفردي. ويعكس هذا التشبيه رؤيته لأهمية التعاون العلمي وتبادل الخبرات وتكامل التخصصات في تحقيق إنجازات بحثية يصعب بلوغها بالجهود الفردية وحدها.
• استراتيجية السلحفاة البطيئة: يرى أن “الخطى الثابتة والمنضبطة بالصبر والدقة خير من التغيرات المفاجئة أو الاستعجال غير المحسوب لقوة النتائج”، مؤكداً أن الأمانة العلمية تقتضي إسناد الفضل لأعضاء الفريق من طلاب وباحثين. وتعكس هذه الرؤية إيمانه بأن الإنجاز العلمي الرصين يحتاج إلى المثابرة والاستمرارية والتحقق الدقيق من النتائج.
5. التمايز بين المحقق والمأمول: ميّز الصباغ بين ما تحقق بالفعل من نشر علمي واستشهادات مرجعية، وبين التطلعات المستقبلية المتمثلة في تطبيق هذه الأبحاث حثيثاً على أرض الواقع لخدمة المجتمع. ويعكس هذا التمييز إدراكًا لأهمية التكامل بين التميز البحثي والأثر التطبيقي، بحيث لا تتوقف قيمة الإنجاز العلمي عند حدود النشر والاستشهاد، بل تمتد إلى مدى إسهامه في تحقيق الأمن الاستراتيجى للأمة .
6. الأهمية المجتمعية والبيئية والوطنية
يربط الدكتور الصباغ بين الرصيد العلمي والأمن القومي والمجتمعي مؤكداً أن العلوم التطبيقية كالزراعة والطب والهندسة تمثل خط الدفاع الأول لحفظ النفس، والعقل، والمال والدين. فالأمن الغذائي والمائي لا يتأتى إلا بتطوير زراعة قائمة على الدليل العلمي تقاوم تقلبات المناخ وتصون الموارد المحدودة كضرورة لمواجهة الفقر والتبعية بما يدعم استقلال القرار الوطني.
كما دعا إلى استثمار الكفاءات العقول المهاجرة، مشيراً إلى وجود نحو 86 ألف عالم مصري بالخارج (منهم 1800 في تخصصات نووية ودقيقة وأكثر من 50 يترأسون جامعات دولية)، مشدداً
في هذا السياق، على أهمية بناء جسور مستدامة للتعاون بين العلماء في الخارج والمؤسسات الأكاديمية والبحثية داخل الوطن، بما يسهم في نقل المعرفة وتبادل الخبرات، وتوطين التكنولوجيا، وتعزيز التكامل بين التخصصات العلمية. كما أكد ضرورة تطوير بيئة تعليمية وبحثية جاذبة تحفّز الابتكار وتتيح للكفاءات الوطنية المشاركة الفاعلة في مسيرة التنمية، بما يساعد على الحد من هجرة العقول “النزيف المستمر” وتحويلها من تحدٍّ تنموي إلى فرصة استراتيجية لبناء مشروع حضاري مصري قائم على المعرفة والابتكار.
7. اقتباسات دقيقة وموثقة من العالم
«تعلمت من التجربة اليابانية (قيم حاكمه للباحث) ترسيخ ثقافة البحث القائمه على الانضباط والنفس الطويل، والدقة في العمل والصبر على النتائج؛ فالبحث العلمى لا يقوم إثبات فرضيات مسبقة ، بل الاحتكام إلى الأدلة بالفعل حتى لو كانت مختلفة عن توقعاتنا».
«إن التصنيفات العلمية حافز لمزيد من العمل والمسؤولية، فالقيمة الحقيقية للباحث تكمن فيما يقدمه من أمانة في البحث، واحترام لزملائه، وقدرة على تحويل هذا العلم إلى علم نافع للمجتمع والأمة».
«المؤمن يطير بجناحين: جناح الأمل وجناح العمل… الطريق العلمي لا يحتاج إلى الموهبة فقط، بل يحتاج إلى الصبر والانضباط والاستمرارية، وألا ننتظر الظروف المثالية حتى نبدأ« حيث انتظار الظروف المثالية قد يؤخر الإنجاز، في حين يسهم العمل المنظم والمتواصل في تجاوز العقبات وتحويل الأهداف العلمية إلى نتائج ملموسة ذات أثر إيجابي في المجتمع والأمة».
8. الخاتمة: القيمة العلمية والمجتمعية للحوار
يؤكد الحوار مع الأستاذ الدكتور أيمن الصباغ أن التميز العلمي العالمي ليس وليد المصادفة، بل هو ثمرة بيئة قائمة على الصبر المنهجي، والانفتاح على المدارس البحثية الدولية، والتجرد للأمانة العلمية. وتتجلى القيمة الحقيقية لهذا الطرح في الربط الوثيق بين المعمل والمزرعة، تحوّلاً من مجرد تحصيل المؤشرات الرقمية والاستشهادات إلى بناء أمن غذائي ومائي استراتيجي يخدم المجتمع ويصون مقدراته في مواجهة التحديات المناخية المعاصر.
وبذلك، تتكامل الريادة العلمية مع المسؤولية الوطنية ، ليصبح البحث العلمي ركيزة أساسية للتنمية ، وأداة فاعلة لتعزيز الأمن الغذائي و استقلال القرار الوطني. ، وبناء مستقبل أكثر قدرة على مواجهة الأزمات وتحقيق تطلعات المجتمع والأمة وعدم التبعيه.




