السياسة والاقتصاد والمجتمع في مصر: قراءة نقدية في 13 عاماً من نموذج الحكم (6-10) الفقر والتعليم والهجرة: حين تضيق فرص الصعود ويصبح الخروج بديلاً

السياسة والاقتصاد والمجتمع في مصر: قراءة نقدية في 13 عاماً من نموذج الحكم (6-10) الفقر والتعليم والهجرة: حين تضيق فرص الصعود ويصبح الخروج بديلاً
image_pdf

تمهيد: من حماية المعيشة إلى حماية المستقبل
إذا كان المقال السابق قد أظهر كيف تضغط الأزمة على الطبقة الوسطى وقدرة الأسر على الحفاظ على مستواها، فإن السؤال هنا يصبح أكثر مباشرة: هل تكفي شبكات الحماية لمنع السقوط؟ وهل ما زال التعليم العام يؤدي وظيفة الصعود الاجتماعي؟ ومن هذه النقطة نصل إلى الشباب والهجرة وهجرة الكفاءات، حيث لا تُقاس الأزمة فقط بمن غادر فعلاً، بل بمن بدأ يبني تعليمه ومدخراته وخططه على افتراض أن أفضل مستقبل له قد يكون خارج البلاد.

الفقر والحماية: شبكة موجودة.. لكنها أضيق من حجم السقوط
من الإنصاف ألا تُقدم الصورة باعتبارها انسحاباً كاملاً للدولة من مسؤوليتها الاجتماعية، فقد توسعت خلال السنوات الماضية برامج “تكافل وكرامة”، ومبادرة “حياة كريمة”، ودعم الغذاء، وزيادات الأجور والمعاشات، وحزم الحماية الاستثنائية. ووفق وزارة التضامن، وصل “تكافل وكرامة” في 2026 إلى نحو 4.7 مليون أسرة، أي قرابة 17 مليون شخص، بينما تقول الحكومة إن مشروعات المرحلة الأولى من “حياة كريمة” امتدت إلى أكثر من 1,450 قرية واستفاد منها نحو 20 مليون مواطن. وهي أرقام تعكس جهداً اجتماعياً حقيقياً لا يصح تجاهله.

لكن وجود شبكة للحماية لا يعني أنها تكفي حجم الاحتياج، فـ”تكافل وكرامة” برنامج موجَّه بشروط ومعايير استحقاق، وليس مظلة تلقائية لكل فقير أو لكل أسرة انزلقت حديثاً إلى الهشاشة. وبين اختبارات الاستهداف، والمستندات، وتحديث البيانات، وإثبات الدخل والحالة الأسرية أو الصحية، والتظلمات، يمكن أن تبقى أسر محتاجة خارج المظلة أو تنتظر طويلاً قبل الدخول إليها. ويكتسب هذا النقد وزناً أكبر لأن البنك الدولي نفسه أوصى بزيادة تغطية البرنامج ورفع قيمة المساعدات، رغم تقييمه الإيجابي لكفاءة استهدافه؛ أي إن نجاح آلية الاستهداف لا يعني أن كل المحتاجين قد شملتهم الحماية.

أما المشكلة الثانية فهي قيمة الدعم نفسه. ففي آب/أغسطس 2026 تجاوز إجمالي مدفوعات “تكافل وكرامة” أربعة مليارات جنيه لنحو 4.7 مليون أسرة؛ أي إن المتوسط الحسابي الإجمالي يقل عن ألف جنيه للأسرة شهرياً، مع اختلاف الاستحقاق الفعلي من أسرة إلى أخرى. وفي ظل أسعار الغذاء والسكن والمواصلات والعلاج والتعليم، تصبح هذه المبالغ أقرب إلى مساهمة في تخفيف الفقر منها إلى دخل قادر على إخراج الأسرة منه. فالزيادة الاسمية في المساعدة قد تفقد جانباً من أثرها سريعاً إذا سبقتها الأسعار، ومن هنا يصبح التعبير الشعبي “لا تُغني ولا تُسمن من جوع” مفهوماً في وصف الفجوة بين حجم الاحتياج وما يستطيع الدعم النقدي وحده تغطيته.

كما أن “حياة كريمة” تختلف أصلاً عن “تكافل وكرامة”؛ فهي تستثمر أساساً في البنية والخدمات داخل قرى مستهدفة، من مياه وصرف وطرق وصحة وتعليم، ولا تمثل دعماً نقدياً مباشراً لكل أسرة فقيرة. وأهميتها كبيرة، لكن استفادة قرية من مشروع صرف صحي أو وحدة صحية لا تعني بالضرورة أن دخل الأسرة داخلها أصبح كافياً أو أن أبناءها وجدوا عملاً منتجاً. ومن هنا تظل الفجوة قائمة بين تحسين المكان وتحسين قدرة الإنسان داخله على الصعود اقتصادياً.

وهنا يظهر السؤال الأعمق: هل تتحول الدولة من “دولة صعود” تساعد المواطن على تحسين موقعه، إلى “دولة حماية” تحاول فقط منع سقوطه الكامل؟ فشبكة الأمان ضرورية، لكنها لا تستطيع أن تكون بديلاً عن اقتصاد يولد وظائف جيدة وأجوراً حقيقية متزايدة، وتعليماً وصحة يقللان إنفاق الأسرة من جيبها، ومسارات تسمح للفقير بالخروج من الفقر وللطبقة الوسطى بالصعود بدل الانزلاق إلى أسفل. وإذا كانت دائرة المحتاجين تتسع أسرع من دائرة الحماية، وتزداد الأسعار أسرع من قيمة المساعدات، فإن الدولة تصبح في سباق دائم لتخفيف نتائج المشكلة بدل تقليص الأسباب التي تنتجها.

الأسرة والتعليم: حين تصبح “المجانية” حقاً دستورياً يتآكل في الواقع
لا تبدأ أزمة التعليم عند ارتفاع المصروفات، بل من اختلال منظومة التعليم العام نفسها: كثافات مرتفعة، وعجز في المعلمين، ودروس خصوصية تحولت إلى نظام موازٍ، وتفاوت واسع في الجودة بين المدارس والمناطق. والمفارقة أن الدستور لا يكتفي بإعلان التعليم حقاً ومجانياً في مؤسسات الدولة؛ فالمادة 19 تلزم الدولة بإنفاق لا يقل عن 4 في المئة من الناتج القومي الإجمالي على التعليم قبل الجامعي، والمادة 21 تلزمها بما لا يقل عن 2 في المئة للتعليم الجامعي، إضافة إلى 1 في المئة للبحث العلمي في المادة 23، مع النص على زيادة هذه النسب تدريجياً نحو المعدلات العالمية.

لكن الواقع المالي ظل موضع جدل حاد، فبحسب تحليل “هيومن رايتس ووتش”، لم تتجاوز المخصصات المباشرة للتعليم في موازنة 2025/2026 نحو 315 مليار جنيه، بما يعادل قرابة 1.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، كما أظهرت بيانات سابقة تراجع النسبة إلى نحو 1.72 في المئة في موازنة 2024/2025. والحكومة من جانبها تقول إنها تحقق الاستحقاقات الدستورية عبر احتساب إنفاق جهات وهيئات وشركات أخرى، بل ونصيب من خدمة الدين ضمن الإنفاق على التعليم والصحة. ومن ثم فالأدق قانونياً ألا نجزم هنا بوجود “مخالفة دستورية محسومة” من دون حكم قضائي، لكن المؤكد أن طريقة احتساب الحكومة محل نزاع، وأن الإنفاق المباشر الظاهر على التعليم ظل بعيداً عن النسب التي يفهمها القارئ بصورة طبيعية من النص الدستوري.

وتزداد دلالة ذلك مع الاتجاه المتسارع إلى التعليم المدفوع، فبدل أن يكون التوسع الأكبر في رفع جودة المدرسة والجامعة الحكومية المجانية، اتسعت المدارس والجامعات الخاصة والأهلية، وأفرع الجامعات الأجنبية، والبرامج الخاصة والمدفوعة داخل الجامعات الحكومية نفسها. ولا يمثل التعليم الخاص أو الأهلي مشكلة في ذاته؛ المشكلة أن يصبح الوصول إلى تعليم أفضل مرتبطاً بصورة متزايدة بالقدرة على الدفع. عندها يجد القادر نفسه مدفوعاً إلى شراء تعليم أفضل، بينما يبقى غير القادر أمام منظومة عامة تعاني اختلالات مزمنة، وتتحول “المجانية” إلى مجانية في الالتحاق أكثر منها مجانية في الكلفة الحقيقية، بعدما أصبحت الأسرة تدفع للدروس والكتب والمواصلات والبرامج البديلة من دخلها الخاص.

والأكثر دلالة أن هذا الاتجاه لا يمكن فصله تماماً عن رؤية رأس السلطة نفسه. ففي المؤتمر الاقتصادي عام 2022 تساءل السيسي عما إذا كانت الدولة تستطيع فعلاً توفير التعليم المجاني للجميع، وقال إن البناء الفكري للدستور لم ينتبه لقدرة الدولة على الوفاء بتلك المطالب. ولا يثبت هذا التصريح وحده وجود خطة مكتوبة ومتعمدة لإضعاف التعليم الحكومي، لكنه يجعل تفسير التراجع باعتباره مجرد عجز بيروقراطي عارض أقل إقناعاً؛ فعندما يستمر الإنفاق الفعلي محل الجدل سنوات، ويتوسع البديل المدفوع، ثم يصدر عن رئيس الدولة نفسه تشكيك في واقعية الالتزام الدستوري بالمجانية، يصبح من المشروع السؤال عما إذا كنا أمام اختيار في ترتيب الأولويات لا مجرد نقص عابر في الموارد.

وهنا يعود التعليم إلى جوهر مشكلة الحكم في هذه الدراسة، فالدستور يفترض أن يضع قيوداً والتزامات على الحاكم، لا أن تصبح الالتزامات الدستورية قابلة لإعادة التقييم وفق رؤية الحاكم لما تستطيع الدولة تحمله. وإذا استطاع مركز القرار أن يعطي الأولوية لمشروعات يراها ضرورية، ثم يعتبر الإنفاق الذي ألزمه به الدستور غير واقعي، فإن القضية تتجاوز التعليم إلى سؤال أوسع عمن يحدد أولويات الدولة: النص والمؤسسات، أم تقدير فرد في قمة السلطة؟ وهذه إحدى صور المركزية التي ناقشتها الدراسة: ليس أثرها سياسياً فقط، بل قد يصل إلى تحديد من يحصل على تعليم جيد، ومن يستطيع دفع ثمنه، ومن يبقى أسير خدمة عامة ضعيفة.

الشباب: حين يضيق المستقبل وتصبح الهجرة بديلاً فردياً
الشاب لا يقيس أداء الدولة بما تحقق في الماضي فقط، بل بما يراه ممكناً أمامه: هل يجد وظيفة تناسب تعليمه؟ هل يستطيع تأسيس أسرة وشراء مسكن؟ وهل يسمح له العمل والاجتهاد بتحسين موقعه الاجتماعي؟ وقد يقدّر الطرق والبنية الأساسية أو تحسن الأمن، لكن ذلك لا يعوض لديه غياب طريق واضح إلى حياة مستقرة. وحين تستمر هذه الفجوة سنوات، يظهر تناقض بين “مشروعات الدولة” و”مشروع الحياة الفردي”؛ فقد تتوسع البنية الأساسية بينما يشعر جزء من الشباب أن مستقبله الشخصي يضيق.

وهنا تتحول الهجرة من مجرد رغبة في تجربة حياة أخرى إلى استراتيجية فردية للخروج من أزمة الفرص. فقد أظهرت بيانات الباروميتر العربي المنشورة في 2026؛ أن 22 في المئة من المصريين فكروا في الهجرة في 2025، مقابل 13 في المئة في 2022، وكانت النسبة أعلى بين الشباب والطلاب وذوي التعليم المرتفع، كما اتخذ نحو ثلث من فكروا فيها خطوات عملية، وكانت الأسباب الاقتصادية في المقدمة. وهذه الأرقام لا تعني أن كل هؤلاء سيغادرون، لكنها تكشف تحولاً مهماً: حين يضعف الاعتقاد في إمكانية بناء مستقبل أفضل داخل البلد، يصبح البحث عن المستقبل خارجه خياراً عقلانياً حتى لمن لا يحمل موقفاً سياسياً معارضاً.

والأهم أن الهجرة هنا ليست مجرد حركة سكانية؛ فهي تعكس تحولاً في علاقة الشاب بمستقبل الدولة نفسها. فالمشكلة لا تبدأ عندما يغادر، بل عندما يصبح النجاح في وعيه مرتبطاً بالخروج أكثر من البقاء، وعندما تتحول الدراسة واللغة والخبرة المهنية تدريجياً من أدوات للصعود داخل المجتمع إلى أدوات تؤهله لمغادرته.

هجرة الكفاءات: الخسارة أكبر من عدد المغادرين
الأطباء والمهندسون وأصحاب المهارات المتخصصة هم الصورة الأكثر حساسية للهجرة، فالدولة والأسرة تنفقان سنوات على تعليم الفرد وتدريبه، ثم تستفيد اقتصادات أخرى من خبرته وإنتاجيته. صحيح أن الهجرة ليست خسارة كاملة؛ فتحويلات المصريين في الخارج واحدة من أهم مصادر العملة الأجنبية، لكن حتى هذه الميزة كشفت خلال الأزمة عن هشاشة العلاقة الاقتصادية بين المهاجر وبلده.

فقد هبطت التحويلات الرسمية من نحو 31.9 مليار دولار في 2021/2022 إلى 22.1 ملياراً في 2022/2023، ثم تراجعت بشدة خلال النصف الثاني من 2023، في الوقت الذي اتسعت فيه الفجوة بين السعر الرسمي للدولار، الذي ظل قرب 31 جنيهاً، وسعر السوق الموازية الذي تجاوز في بعض الفترات 70 جنيهاً. وكان من الطبيعي اقتصادياً أن تتجه تحويلات إلى قنوات غير رسمية تمنح صاحب الدولار ضعف ما يحصل عليه تقريباً من البنك. وبعد تحرير سعر الصرف وتقارب السعرين في آذار/مارس 2024 انعكس الاتجاه بصورة لافتة: ارتفعت التحويلات إلى 29.6 مليار دولار في 2024، ثم 41.5 ملياراً في 2025، ووصلت إلى مستوى قياسي بلغ 47.3 مليار دولار في السنة المالية 2025/2026. وهذه القفزة تكاد تقدم تجربة عملية على أن المشكلة لم تكن في عزوف المصريين في الخارج عن تحويل أموالهم، بقدر ما كانت في سياسة صرف جعلت القناة الرسمية غير منطقية اقتصادياً.

واللافت أن الدولة واجهت جانباً من أزمة الدولار آنذاك أيضاً بالأداة الأمنية، فقد شنت وزارة الداخلية حملات متكررة على الاتجار بالنقد الأجنبي خارج الجهاز المصرفي؛ ففي يوم واحد في شباط/فبراير 2024 أعلنت ضبط 19 قضية بقيمة 34 مليون جنيه، وتكررت حملات مماثلة لاحقاً. كما تحدثت تقارير صحفية عن توقيف تجار عملة واتساع حالة الخوف والشلل في السوق الموازية. لكن من الضروري التمييز هنا: حيازة المواطن للدولار ليست جريمة في ذاتها؛ الذي يجرمه القانون هو الاتجار أو المضاربة به خارج القنوات المرخصة. ومع ذلك، فإن تحويل أزمة سببها في جانب كبير منها نقص العملة واختلال سعر الصرف إلى ملف أمني عزز الانطباع بأن الدولة تحاول معالجة نتيجة الأزمة بالملاحقة بدل معالجة أسبابها الاقتصادية.

ومن ثم فإن خسارة هجرة الكفاءات لا تقاس فقط بعدد الأطباء والمهندسين الذين يغادرون؛ الأخطر أن يتعلم المواطن المتعلم أن أفضل عائد لتعليمه يوجد خارج البلاد، وأن أفضل سعر لمدخراته قد لا يجده داخل نظامها المصرفي، وأن قواعد العملة نفسها يمكن أن تتغير تحت ضغط الأزمة. وعندما يصبح النجاح مرتبطاً بالخروج، والحفاظ على قيمة المال مرتبطاً بالبحث عن بدائل للنظام الرسمي، فإن المسألة تتجاوز “هجرة عقول” إلى تراجع في ثقة جزء من رأس المال البشري في قدرة الاقتصاد المحلي على حماية ثمرة عمله ومدخراته.

ختام: الخروج يبدأ قبل عبور الحدود
الخسارة الأعمق لا تبدأ عندما يسافر الطبيب أو المهندس، بل عندما يصبح البقاء نفسه أقل إقناعاً في وعي من يملك القدرة على الاختيار. فضعف الصعود الاجتماعي، وتراجع جودة التعليم العام، وضغوط المعيشة، واختلال الثقة في قواعد السوق تدفع المواطن إلى البحث عن حل فردي.

وفي المقال التالي نبحث الشكل الآخر للخروج: أن يبقى المواطن في البلد لكنه ينسحب من المجال العام، ثم نضع التجربة المصرية أمام السؤال المقارن حول الديمقراطية والتنمية ومسارات الانتقال.

مصادر ومراجع مختارة
• الباروميتر العربي- صحيفة حقائق الرأي العام المصري 2026: الهجرة والثقة والاتجاهات الاجتماعية والسياسية.

• البنك الدولي ووزارة التضامن الاجتماعي- الفقر والحماية الاجتماعية وبرنامج “تكافل وكرامة”.

• مبادرة “حياة كريمة” والمصادر الحكومية المصرية- نطاق المشروعات والخدمات والقرى المستفيدة.

• دستور جمهورية مصر العربية ووزارة التربية والتعليم ووزارة التعليم العالي- الحق في التعليم ومجانيته وتطور منظومة التعليم العام والجامعي.

• هيومن رايتس ووتش- تحليلات الإنفاق العام على التعليم والحق في الخدمات الأساسية.

• الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ومنظمة العمل الدولية والبنك المركزي المصري- سوق العمل، هجرة الكفاءات، التحويلات وسوق النقد الأجنبي.

أ. أيمن صادق
+ مقالات

اترك تعليقاً