كيف تحوّل تمويل شركاتك وأعمالك إلى تمويل حلال؟

image_pdf

كل قرش تدفعه فائدة لا يذهب إلى بضاعة اشتريتها ولا خدمة تلقيتها ولا شريك شاركك المخاطرة، إنما يذهب إلى من أقرضك المال وجلس ينتظر، وجوهر الربا أن يربح المال من مجرد وجوده وليس من حركته في الاقتصاد الحقيقي.

الغريب أن كثيراً من أصحاب الشركات يدركون هذا تماماً لكنهم يستمرون عن يأس مكتسب، يأس من بدائل يظنونها إما وهمية أو أغلى أو مقصورة على البنوك الإسلامية دون غيرها، والحقيقة أن هذا اليأس صنعته السوق.

والربا من المحرمات القليلة التي جاء فيها القرآن الكريم بصيغة الحرب بوضوح حاسم؛ (فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ) (البقرة: 279)، وهذا وحده يكفي لأن يقف صاحب الشركة المسلم وقفة مختلفة أمام سطر الفائدة في دفاتره، ليس وقفة ذعر وإنما وقفة مراجعة.

وكثير منا يعرف هذا الحكم لكنه يعيش معه بمنطق الاضطرار الدائم وكأن الاضطرار لا ينتهي، والحقيقة أن الاضطرار له شروط في الشريعة، أولها ألا يكون ثمة بديل، وحين يكون البديل موجوداً يسقط عذر الاضطرار ويبقى الاختيار.

المشكلة بلغة صاحب الشركة
الفائدة البنكية في دفاتر شركتك ليست رقماً محايداً، هي التزام ثابت يستحق بغض النظر عن أداء شركتك ربحت أو خسرت، نما السوق أو انكمش، البنك يأخذ حصته في الموعد، هذا التحميل الثابت على «بيزنس» متغير المخاطر هو ما يجعل التمويل الربوي هشاً في أوقات الأزمات تحديداً حين تحتاج سيولتك فيها أكثر ما تحتاجها.

لكن المشكلة أعمق من الأرقام؛ التمويل الربوي يُعيد تشكيل طبيعة العلاقة بين صاحب الشركة وممولّه من علاقة قائمة على المصلحة المشتركة إلى علاقة قائمة على الضمان والإلزام.. البنك التقليدي لا يسألك عن صحة مشروعك وإنما يسألك عن ضمانك.. لا يشاركك الخسارة حين تخسر ولا يتنازل عن فائدته حين تتعثر.. أنت تحمل المخاطرة كاملة وهو يأخذ العائد مضموناً وهذا خلل جوهري في بنية العلاقة قبل أن يكون إشكالاً شرعياً.

الأثر يظهر تدريجياً في قراراتك اليومية حين تقبل عقداً لا تريده لأنك محتاج إلى التدفق النقدي لتغطية القسط، وحين تتجنب توسعاً تريده لأن رصيد القرض لم ينته بعد، وحين تفاوض من موقع المدين لا من موقع الشريك.. التمويل الربوي لا يقيّد ميزانيتك فقط وإنما يقيّد حرية قرارك، والأخطر أنه يُخفي تكلفته الحقيقية.

هل التحول ممكن فعلاً؟
حين يسمع صاحب الشركة هذا السؤال لأول مرة لا يبحث عن إجابة إنما يبحث عن مخرج يريحه من التفكير فيه ويعيده إلى ما اعتاد عليه.. وهذا المخرج جاهز دائماً في شكل اعتراضات، لكن حين تفحص هذه الاعتراضات واحداً واحداً تجد أن أغلبها لا يصمد لأنه لم يُختبر.

الاعتراض الأول التمويل الإسلامي أغلى: هذا الاعتراض يكشف عن مشكلة في طريقة التفكير لأنه يقارن بين رقمين دون أن يسأل: ماذا تشتري بكل منهما؟ حين تدفع فائدة لبنك تقليدي تشتري المال وتتحمل المخاطرة وحدك وحين تدخل في تمويل تشاركي تشتري المال وتوزع المخاطرة.. الفارق في بنية العلاقة.. وحين تقع الأزمة وهي تقع دائماً يظهر هذا الفارق بكل وضوح: الدائن يطالبك والشريك يجلس معك.

الثاني: البدائل محدودة؛ وهذا كان صحيحاً قبل عقدين أما اليوم فالمشهد مختلف جذرياً.. التمويل الإسلامي لم يعد حكراً على نافذة في بنك تقليدي أو مؤسسة إسلامية كلاسيكية، دخله صناديق استثمار متخصصة، وشركات تمويل، ومستثمرون أفراد يبحثون بأنفسهم عن فرص تشاركية تعطيهم عائداً حقيقياً مرتبطاً بأصل حقيقي.. السوق لم يتسع فقط وإنما تنوّع وهذا التنوع يعني أن لكل حاجة تمويلية بديلاً إن أحسنت البحث عنه.

الثالث وهو الأعمق وأكثرها صدقاً: شركتي مرتبطة بعقود قائمة ولا أستطيع الخروج منها: وهنا يقع أكبر سوء فهم لأن كثيراً من أصحاب الشركات يتصورون أن التحول يعني قراراً جراحياً يُغيّر كل شيء في يوم واحد فيهربون منه لأنه يبدو مستحيلاً.. لكن الشريعة نفسها لا تطلب هذا، وهي أدق مما يتصور كثيرون في التعامل مع هذه المسألة.. ما مضى من الفوائد المدفوعة لا يُرد ولا يُحاسَب عليه بعد التوبة والعزم على التغيير قال تعالى: (فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ) (البرة: 275)، أما العقود القائمة التي لم تنتهِ بعد فيمكن أن تُستكمل حين يتعذر الخروج منها، لكن بنية الخروج لا بنية الاستمرار وبين النيتين فرق يعرفه صاحب الشركة قبل أن يعرفه أي فقيه.. والضرورات تُقدَّر بقدرها فالإذن بالاستمرار في العقد القائم مقيد بقدر الضرورة فقط وينتهي بانتهائها.

الرابع: الإجراءات معقدة وبطيئة: وهذا صحيح فالهياكل التشاركية تحتاج توثيقاً أكثر من قرض بسيط، وفريقك المالي والمحاسبي الذي تعلّم لغة التمويل التقليدي سيجد نفسه أمام مصطلحات وأدوات لم يتدرب عليها.. لكن هذه تكلفة انتقالية لا تكلفة دائمة تُدفع مرة واحدة حين يتعلم الفريق وتختفي حين يتقن.. المشكلة الحقيقية أن كثيراً من الشركات تتوقف عند هذه التكلفة وتسمّيها استحالة وهي ليست كذلك.

الخامس: بعض الممولين الدوليين لا يقبلون الهياكل الإسلامية ولا يعترفون بها في بيئاتهم القانونية: وهذا اعتراض له وزنه خاصة في الشركات المرتبطة بتمويل مشاريع كبرى تشترط نوع التمويل وتحتاج موافقة أطراف متعددة لتغييره.. الجواب هنا ليس إنكار المشكلة بل تحديد نطاقها فهذا القيد لا يحكم كل التمويل وإنما جزءاً منه والتحول الجزئي أفضل من الجمود الكامل.

السادس وهو الذي لا يقوله أحد بصوت عالٍ لكنه يحكم القرار في الخفاء هو أن التمويل الإسلامي للشركات الصغيرة، أما الشركات الكبرى الجادة فلها عالم آخر: هذه القناعة المضمرة أخطر من كل اعتراض سبقها لأنها لا تُناقَش وإنما تُمارَس.. صاحب الشركة الكبيرة لا يرفض التحول صراحة لكنه لا يبحث عنه جدياً لأنه في مكان ما يظن أنه أكبر من هذا الخيار.. والحقيقة أن أضخم إصدارات الصكوك في العالم تجاوزت مليارات الدولارات، وأن مؤسسات مالية عملاقة تعمل وفق هذا النموذج منذ عقود لكن هذه الحقيقة لا تصل إلى من أغلق ذهنه قبل أن يبحث.

لكن هناك اعتراضات لا تُقال، تبقى في الغرفة حين تغادر وتعود حين تخلو بنفسك.. هي خوفك من أن تطرح الموضوع على مجلس إدارتك فتضطر إلى شرحٍ طويل وإقناعٍ متعب، وتخشى أن يصفك شركاؤك بالمثالي الساذج أو المتشدد الذي يعقّد البسيط.. والأخطر أن تخشى من متاعب المحاسبة والتدقيق، من إعادة تشكيل دفاترك، من أسئلة مراجع الحسابات التي لم تتعود عليها، ومن نظرة البنك التقليدي الذي سيسألك لماذا تركتنا؟

والحقيقة التي تجمع هذه الاعتراضات كلها العائق الأكبر أمام التحول هو الألفة مع النموذج القديم بكل مكوناته مع مستشاريه الذين أتقنوا العمل به ولا مصلحة لهم في تغييره.. تغيير التمويل يعني تغيير العلاقات والمعارف والأدوات وهذا ثقيل حتى حين يكون صحيحاً، لكن الثقل لا يعني الاستحالة.

هذه الاعتراضات كلها مفهومة وبعضها وجيه.. لكن ماذا ستقول حين تُسأل؟ ليس أمام شريك أو مستثمر أو محاسب أمام من لا تخفى عليه خافية.. والنبي صلى الله عليه وسلم لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: «هم سواء»، والشركة التي تختار الاستمرار وهي تعرف البديل وتملك القرار تعرف أين تقف من هذا الحديث.. ليس تخويفاً بل تذكيراً بأن الحساب فردي، والمسؤولية لا تنتقل إلى البنك ولا إلى السوق ولا إلى المستشار الذي نصحك بالاستمرار.

من أين تبدأ؟
البداية الصحيحة في دفاترك أنت؛ اعرف ما عليك، رتّب التزاماتك التمويلية القائمة قروض، تسهيلات، سندات، تمويل موردين وصنّفها بثلاثة أسئلة ما مدتها المتبقية؟ هل تتيح الخروج المبكر؟ وهل هي مرتبطة بشروط تمويلية تمنع التغيير؟ هذا التصنيف وحده يعطيك خريطة واضحة لما يمكن تحويله فوراً وما يحتاج انتظاراً وما يحتاج تفاوضاً.

حدد احتياجك التمويلي القادم.. التحول لا يبدأ بإلغاء الماضي فقط وإنما بتصميم المستقبل.. ما التمويل الذي ستحتاجه في الاثني عشر شهراً القادمة؟ كل نوع له أداة إسلامية مختلفة، وخلط الاحتياجات يفضي إلى خلط الأدوات وضياع النتيجة.

أهّل فريقك فالمحاسب الذي لا يفهم المرابحة سيسجّلها خطأً. المستشار القانوني الذي لم يقرأ عقد إجارة إسلامية سيحكم عليه بمعيار القرض التقليدي.. التحول التمويلي يحتاج تحولاً في الكفاءة قبل أن يحتاج تحولاً في العقود وهذا ما لا يخبرك به أحد في البداية.

البدائل المتاحة بأمثلة واقعية
كثير من أصحاب الشركات حين يسمعون كلمة تمويل إسلامي يتصورون نموذجاً واحداً يُطبَّق على كل الحالات.. والحقيقة أن المنظومة التشاركية الإسلامية أكثر مرونة من النموذج التقليدي لأنها صُمِّمت لتموّل حاجة حقيقية، ولهذا فإن الأداة تتغير بتغير الحاجة لا العكس، فهناك المرابحة، والمضاربة، والمشاركة المتناقصة، والتأجير التمويلي، والاستصناع، والمزارعة، والسلم، والصكوك الإسلامية وغيرها الكثير، والقاعدة التي توجّه الاختيار بين هذه الأدوات هي ما طبيعة حاجتك تشغيل أم أصل أم مشروع أم رأس مال طويل الأجل؟ الإجابة على هذا السؤال تحدد الأداة ومن يبدأ بالأداة قبل أن يفهم حاجته سيجد نفسه في نفس المشكلة التي هرب منها تمويل لا يناسبه بعقد لا يفهمه.

فإن التحول إلى التمويل الإسلامي ليس قراراً دينياً تتخذه في لحظة إيمان، ولا قراراً مالياً تتخذه في لحظة ضغط، هو قرار إستراتيجي تتخذه حين ترى بوضوح أن النموذج الذي تعمل به يُحمّلك مخاطرة لا تُقابلها شراكة حقيقية، ويُكلّفك أكثر مما تظهره الأرقام، ويربطك بعلاقة مع الممول لا تصمد حين تحتاجها أكثر ما تحتاجها.

https://mugtama.com/articles/كيف_تحو_ل_تمويل_شركاتك_وأعمالك_ل_تمويل_حلال_

+ مقالات

اترك تعليقاً