في المجتمعات المدنية الحديثة، تشكل الأطر المهنية على مختلف تسمياتها، اتحادات أو نقابات أو منتديات، الأنساق العملية لتأطير الاختصاصات العلمية أو الاجتماعية، والمحافظة على قيمها وتقاليدها وتوجهاتها. والمنتدى المصري للكفاءات والخبرات، كصيغة وطنية تنظيمية جامعة لكل الخبرات العلمية والعملية في واقع مصر اليوم، يعمل على بناء صلات مهنية فاعلة بين الاختصاصات العلمية والخبرات المختلفة، ويضع في مقدمة أهدافه تأطير التخصصات المهنية المختلفة، وتأمين تفاعلها على أرضية وطنية وأهداف بناءة.
وهكذا يأتي الهدف الثالث من أهداف المنتدى المصري للكفاءات والخبرات معبراً عن غاية التفاعل وتأكيد المهنية والدفاع عن شروطها العملية والعلمية، ومن نص الهدف الثالث (الدفاع عن حقوق الأعضاء، والمساعدة على حل مشكلاتهم العلمية والمهنية)، بما يعكس حدود الفضاء المهني للمنتسبين للمنتدى، ويجسد هويتهم الوطنية والمعرفية باعتبارهم من النخبة الذين يملكون الكفاءة والخبرة في ميادين تخصصهم، وبما يضعهم أمام مسؤولية عملية التغيير الحضاري، وفي المساهمة ببناء مصر وتحقيق الظروف المناسبة للتنمية والتقدم.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن موضوع الدفاع عن حقوق الأعضاء لا ينحصر في الحقوق المتعلقة بالجانب الشخصي أو المهني، على أهمية ذلك، وإنما يتصل بالحقوق الوطنية الأوسع أيضاً. وفي مقدمة ذلك حق وفرصة استخدام الإمكانات العلمية والخبرات في مسيرة بناء وإعمار مصر، واعتبار ذلك امتيازاً واستحقاقاً يرتبط بقضية الهدف الأول للمنتدى في بناء مصر وضمان تقدمها، وبذلك الفهم وأبعاده العملية تكون الحقوق معبرة في ذات الوقت عن الواجبات، وهي معادلة موضوعية في سياق الواجب الوطني.
وبمنظور آخر فإن هذا التجمع النوعي ضمن السلم الاجتماعي (الكفاءات والخبرات) بحاجة إلى أنماط من الأنظمة والقوانين التي تستهدف بها أداء أعمالها، ويرى عالم الاجتماع ماكس فيبر أن المنظمات تتميز بنظام تراتبي ومراتب في الوقت نفسه، وذلك النظام سيكون كفيلاً بحماية الخصوصية، ويحدد مجالات الدور المنتظر منها على الصعيد الاجتماعي والثقافي، أي إن المنظمة بحاجة إلى ممارسة الضبط والسيطرة لضمان التوجه الدقيق نحو تحقيق أهدافها المرسومة لها في قواعد عملها المسيطرة بأنظمتها الداخلية.
وهنا يتيح نظام العمل في المنتدى، واسترشاداً بأهدافه، الفرص المتكافئة لكل المنتسبين لعضويته للانتظام في ممارسات مهنية تؤكد الأهلية للمساهمة في البناء، والعمل المشترك لإيجاد حلول للمشكلات التنموية والاجتماعية، وهذا الفضاء المجتمعي الخلاق المنضوي تحت عنوان المنتدى يرتبط ارتباطاً وثيقاً بقيامه على قاعدة العمل الجماعي، والمحافظة على التقاليد العلمية والمهنية، إنه في الواقع شبكة مترابطة من أنساق المعرفة العلمية والخبرة الميدانية تتموضع على خط شروع واحد، هو مصلحة الوطن قبل أي اعتبار.
ويمكن أن نقول إن تلاقي كل تلك الخبرات والكفاءات يمثل نمطاً من الاستدامة المعرفية والثروة المتراكمة التي تملكها مصر، لذلك فإن منظومة الطاقة المولدة للتوجه نحو تكييف المعرفة والعلوم من أجل حل المشكلات التي تواجه مصر، هي مكسب اجتماعي واقتصادي لصالح عملية التطور الحضاري، ومن أجل الإنسان المصري وأمنه وتقدمه وسعادته، كما أن المقصود عملياً في الهدف المؤشر، وهو حل مشكلات الأعضاء العلمية والمهنية، يقصد به العمل الجماعي للارتقاء بالأداء المشترك، وتجاوز المعوقات المهنية الجماعية، والتي تقتضي بالضرورة حل المشكلات والمصاعب الشخصية.
وكهدف مركزي، يسعى المنتدى من خلال تنظيم الموارد البشرية المتواجدة تحت خيمته إلى بناء قاعدة علمية وطنية متوافقة ومنسجمة وفاعلة تجاه غايات المنتدى وطموحاته، دون أي معوق أو عثرات، من أجل وضع تلك الإمكانات تحت تصرف برامج التغيير والإصلاح، وأن مناسبة تواجد والتقاء هذه الكفاءات والخبرات على تلك المساحة والأهداف كفيل بحد ذاته بحل المشكلات المهنية، وتمكين الطاقات الخلاقة من التواصل فيما بينها دون عائق، وتفعيل برامج العمل المشتركة.
إن الفعل البشري المتحقق للنخبة من العلماء والكفاءات في هذا التجمع الوطني، المنتدى المصري للكفاءات والخبرات، يوفر البيئة الفاعلة لتلاقي البنية التنظيمية المؤهلة لفعل التغيير مع طاقة الفعل العملي الذي ينجز برامج التطور الحضاري، والقادر على حل المشكلات التي تواجه التنفيذ، وبمعنى آخر فإننا حين نكون مجتمعين وفاعلين سنكون بالتالي أكثر قدرة على التحكم بالظروف وتطويعها لغاية التقدم الحضاري، وأكثر قدرة أيضاً على ضبط إيقاع النشاط العلمي نحو الابتكار والتجديد.
وإذا ما نظرنا إلى المنتدى، وفق هذه النظرة الشمولية، المنتدى بكل تخصصاته العلمية والعملية، سنجد أننا أمام هرم متناظر الأضلاع، يملك القدرة على التكامل والتفاعل في ذات الوقت، ويتميز بحيوية النظام والانسجام وقابلية التقدم لمواجهة المشكلات الوطنية في جميع الميادين، وهذا الامتياز ليس فقط استحقاقاً تكريمياً معنوياً يعلق كوسام على صدور الكفاءات والخبرات، بل هو في حقيقته تعبير عن الدور التاريخي، والمسؤولية الوطنية في هذه الظروف البالغة الدقة والتعقيد.
وهنا لا بد من القول إن هذه الكفاءات والخبرات المنضوية في خلية العمل الوطنية، المنتدى المصري للكفاءات والخبرات، تتجاوز في ذلك الاصطفاف كل العناوين الفرعية التي يمكن أن تؤدي إلى الانقسام أو التفرقة، بل هي ممثلة لكل التكوينات والتيارات الفكرية والاجتماعية، ومرتبطة بشكل وثيق بأهداف التنمية البشرية، وهذا الارتباط الوثيق يؤكد هويتها الوطنية، ويضعها في المكان الصحيح في مسيرة بناء مصر والتغيير.
وهذه الشرعية الوطنية التي تستمدها الكفاءات والخبرات المصرية في إطارها التنظيمي الفاعل، المنتدى، إنما تشكل حلقة الوصل في نظام تعاقب الأجيال ضمن دائرة المسؤولية الوطنية، وهي جزء أساسي من منظومة وآليات المشاركة في عمليات التحديث في كل جوانب الحياة، وبالتالي فإن المنتدى، ضمن هذا المنظور والواقع العملي، وفي جوهره وغاياته، هو تشكيل اجتماعي مهني مستقبلي تتدرج مهماته مع الخطوات والإنجازات العملية على أرض الواقع نحو الهدف الكبير، وهو بناء الإنسان المصري وبناء مصر الحديثة.





