من إدارة الندرة إلى هندسة الوفرة(2) المقال الثاني تشريح الأزمة: لماذا لا يكفي أن نقول إن مصر تعاني نقص المياه؟ ما الذي يصنع الأزمة فعلاً: قلة المورد، أم سوء الاستخدام، أم تراجع الجودة، أم ضعف الحوكمة؟

image_pdf

ست أزمات داخل أزمة واحدة
الأزمة المصرية ليست سبباً منفرداً، بل تراكب ستة ضغوط: الاعتماد على نهر عابر للحدود، النمو السكاني، هيمنة الطلب الزراعي، تدهور الجودة والملوحة، الفواقد الفنية والإدارية، ثم تغير المناخ. خطورة هذا التركيب أن معالجة عنصر واحد قد لا تغير النتيجة إذا ظلت العناصر الأخرى تعمل في الاتجاه المعاكس.
زيادة محطة معالجة مثلاً لا تحقق الأثر المتوقع إذا غابت شبكة نقل آمنة أو سوق لاستخدام المياه المعالجة. وتركيب الري الحديث لا يضمن وفراً وطنياً إذا توسعت المساحة أو زاد السحب الجوفي. وبناء محطة تحلية لا يمثل انتصاراً إذا كانت الطاقة مرتفعة والرجيع الملحي غير مُدار والصيانة معتمدة بالكامل على الخارج.
الزراعة هي مركز الثقل
تستهلك الزراعة الحصة الأكبر من المياه، ولهذا تبدو هدفاً طبيعياً للإصلاح. لكن الخطأ الشائع هو مساواة كل فاقد في الحقل بمياه يمكن للدولة استردادها؛ فجزء من مياه الري يعود إلى المصارف أو الخزان الجوفي ويعاد استخدامه لاحقاً. المطلوب هو قياس الوفورات على مستوى الحوض أو المنطقة، لا الاكتفاء بصورة الحقل الجميلة بعد تركيب شبكة تنقيط.
القرار الصحيح يجمع بين جدولة الري، ونوع المحصول، والتربة، والملوحة، والطاقة، والأسواق. وقد تعلمت دول عربية عديدة أن تحديث الري بلا إرشاد وصيانة وتمويل صغير يتحول إلى معدات متوقفة. التكنولوجيا هنا نصف الحل، أما النصف الآخر فهو المؤسسة التي تجعلها تعمل كل يوم.
الجودة هي كمية مخفية
المياه الملوثة أو المالحة تقلل فعلياً حجم المورد الصالح للاستخدام. وهذا مهم في الدلتا والمناطق الساحلية حيث يتداخل البحر مع الخزانات ويزداد ضغط الصرف الزراعي والصناعي. كل جنيه يُنفق على منع التلوث قبل وقوعه يوفر أضعافه في المعالجة والصحة وتدهور التربة.
إلى المقال التالي: إذا كانت الأزمة مركبة، فهل تظل «إدارة الندرة» هي الإطار المناسب، أم نحتاج إلى فلسفة مختلفة؟

د. علاء الدين إبراهيم عيد
+ مقالات

اترك تعليقاً