يندر أن يتحقق الاجتماع النوعي للكفاءات والخبرات ضمن فرصة وطنية جامعة، وباختصاصات الحياة والعمل المختلفة، في محيط دائرة الاهتمام بشؤون الوطن ومصلحته المباشرة، كما يمكن أن يتحقق عملياً في تلك الصيغة التنظيمية الحضارية التي يمثلها المنتدى المصري للكفاءات والخبرات؛ هذه الصيغة التي تجمع وتكثف في ذات الوقت طاقات العقل المصري المبدع، وتفتح أمامها مجالات التفاعل والعمل في مواجهة مشكلات الوطن وتحدياته الراهنة والمستقبلية. إنها في الواقع فرصة للتعبير عن الانتماء والولاء الوطني أمام أجيال متعاقبة من العلماء والمبدعين والباحثين وأصحاب الخبرات المتراكمة عبر سنوات من العلم والعمل والعطاء.
وهنا يأتي المعنى الأوسع لاهتمام المنتدى بالبحث العلمي، والعمل على توفير فرص بحثية وعلمية ومهنية لأصحاب الكفاءات من المصريين لممارسة اختصاصاتهم، وتبادل خبراتهم، والمساهمة بها في خدمة الوطن. وهذه الفرص لا تعني فقط الوصول إلى نتائج علمية عبر دراسة المشكلات القائمة في مصر اليوم، بل تهدف قبل كل شيء إلى إنساق المعارف والخبرات الميدانية للعلماء والخبراء المصريين مع التطورات المتسارعة في مناهج البحث العلمي وأساليبه وتقنياته، وتحقيق اصطفاف المعنيين بالبحث العلمي، كل حسب تخصصه، باتجاه هدف مركزي واحد هو استخدام المعرفة الإنسانية لخدمة الإنسان المصري، وحل مشكلات المجتمع، والمساهمة في تقدم مصر وازدهارها.
ولقد اتسعت اليوم ميادين البحث العلمي اتساعاً غير مسبوق، فلم تعد مقصورة على التخصصات التقليدية وحدها، وإنما أضحت تشمل مجالات معرفية وتكنولوجية جديدة تغير طبيعة الاقتصاد والمجتمع والحياة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات، وتكنولوجيا النانو والمواد المتقدمة، والتكنولوجيا الحيوية والهندسة الوراثية، والتحول الرقمي، والروبوتات والأتمتة، والطاقة الجديدة والمتجددة، وتقنيات المياه والغذاء والزراعة الحديثة، والعلوم الطبية والصيدلانية، والتكنولوجيات البيئية، والاقتصاد المعرفي، وغيرها من العلوم البينية التي تتلاقى فيها تخصصات متعددة لإنتاج معرفة جديدة وحلول أكثر فاعلية.
كما أضحت وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي ومنصات المعرفة الإلكترونية ميداناً جديداً من ميادين التفاعل العلمي والمجتمعي، وأداة يمكن من خلالها ربط العلماء والخبراء والباحثين بعضهم ببعض، ونشر المعرفة العلمية، والتعريف بالبحوث والابتكارات، وإيصال نتائجها إلى المجتمع وصانع القرار، واستقطاب الشباب والكفاءات المصرية المنتشرة في أنحاء العالم. وفي المقابل، فإن هذه المساحات الجديدة بما تحمله من تحديات تتعلق بالمعلومات المضللة والمحتوى غير العلمي، تضع على العلماء والخبراء مسؤولية أكبر في تقديم المعرفة الموثوقة وإشاعة التفكير العلمي والوعي النقدي في المجتمع.
وفي هذا السياق يبرز الذكاء الاصطناعي باعتباره واحداً من أهم التحولات العلمية والتكنولوجية في العصر الحديث، ليس بوصفه بديلاً عن العقل والخبرة البشرية، وإنما باعتباره أداة لتعظيم قدرتهما، وتحليل البيانات، واستشراف المشكلات، وتسريع عمليات البحث والتطوير، والوصول إلى حلول لم يكن ممكناً الوصول إليها بالوسائل التقليدية بالسرعة والكفاءة نفسيهما. ومن هنا يصبح من المهم أن يكون للعلماء والخبراء المصريين حضور فاعل في هذه الثورة العلمية، إنتاجاً وتطبيقاً وتوطيناً، لا أن يظل الوطن مجرد مستخدم لما ينتجه الآخرون.
وكذلك تمثل تكنولوجيا النانو والمواد المتقدمة مجالاً واسعاً للبحث والتطبيق في الصناعات الحديثة، والطاقة والمياه والبيئة والطب والزراعة والإلكترونيات ومواد البناء وغيرها، بينما تفتح التكنولوجيا الحيوية آفاقاً واسعة أمام الأمن الغذائي والصناعات الدوائية والتشخيص والعلاج والزراعة والبيئة، وهو ما يجعل هذه المجالات وغيرها جزءاً من مفهوم الأمن العلمي والتكنولوجي للدولة، وميداناً أساسياً ينبغي أن تتفاعل فيه الكفاءات المصرية داخل الوطن وخارجه.
ومن هنا فإن السؤال الأهم ليس فقط: كم بحثاً علمياً تنتجه مصر؟ وإنما: إلى أي مدى تتحول المعرفة والبحوث والخبرات المصرية إلى حلول للمشكلات التي تواجه الوطن؟
فالبحث العلمي الذي يحتاجه الوطن هو البحث الذي يستطيع أن يتفاعل مع مشكلات المياه والطاقة والغذاء والصحة والتعليم والصناعة والزراعة والبيئة والنقل والإسكان، وأن يساهم في تطوير الإنتاج، وزيادة القيمة المضافة للموارد المصرية، وتوطين التكنولوجيا، وإنشاء صناعات جديدة، ورفع القدرة التنافسية للاقتصاد، وتحسين حياة الإنسان المصري.
وبذلك ينتقل البحث العلمي من حدود المؤسسة الأكاديمية إلى فضاء أوسع، تتكامل فيه الجامعة ومراكز البحث والصناعة والدولة والمجتمع والسوق، ويصبح العالم والباحث والمهندس والطبيب والخبير ورائد الأعمال أطرافاً في منظومة وطنية واحدة لتحويل المعرفة إلى أثر، والبحث إلى تطبيق، والابتكار إلى منتج، والخبرة إلى حل لمشكلة حقيقية.
ومن هنا تأتي أهمية الندوات العلمية واللجان التخصصية وفرق الخبراء التي يمكن أن يعمل المنتدى من خلالها، ليس لمجرد الحوار وتبادل الآراء، وإنما لتقديم الدراسات والبحوث العلمية النظرية والميدانية إزاء المشكلات المطروحة، وجمع الخبرات العلمية على طاولة الحوار والنقاش العلمي المنهجي الهادف، وهي غاية سامية من غايات المنتدى في جمع شمل أبناء مصر من العلماء والخبراء، وعرض مشكلات الوطن أمامهم، وتحفيزهم على تكريس علومهم وخبراتهم على طريق إصلاح الواقع وضمان تقدم الوطن وازدهاره.
ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة عندما يتحقق تلاقي الخبرات بين جيلين من الكفاءات المصرية: جيل الرواد والمبدعين والقادة الميدانيين الذين أسهموا في نهضة مصر العلمية والمهنية خلال العقود الماضية، وجيل الشباب الواعد الذي يمتلك العزيمة والطموح وأدوات العصر الجديدة. إن التفاعل بين خبرة الأولين وقدرات الجيل الجديد في الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية والعلوم الحديثة يمكن أن يشكل واحدة من أهم الطاقات الوطنية القادرة على التجديد والانطلاق.
ولا تتوقف هذه الجهود عند حدود العلماء والخبراء الموجودين داخل مصر، وإنما تمتد إلى العلماء والباحثين والكفاءات المصرية المنتشرة في مختلف بلدان العالم، والذين يمثلون ثروة معرفية ووطنية كبيرة. فالعقل الإنساني المبدع لا بد أن تتواصل خبراته العلمية والميدانية، وأن تتلاقى مع خبرات الآخرين والإنجازات العلمية المتجددة يوماً بعد آخر، وهنا يستطيع المنتدى أن يكون مساحة للتواصل بين الخبرة المصرية في الداخل والخبرة المصرية في الخارج، ووضعهما معاً في خدمة الوطن.
وعملياً يتجاوز البحث العلمي في طموحه حدود الواقع القائم؛ فهو يستند إلى افتراض التجاوز المستمر للمشكلات نحو مساحة الحلول الممكنة، وهذا الأمر لا يمكن أن يتحقق دون امتلاك النظريات العلمية الحديثة والتفاعل مع مستجدات المعرفة العالمية، وفي الوقت ذاته بناء قدرة مصرية على إنتاج المعرفة والتكنولوجيا وتطويرهما.
والمنتدى، بحكم مسؤوليته الوطنية، يسعى نحو تفعيل هذا الجانب وتمكين العلماء والباحثين المصريين من التفاعل مع المعارف والنظريات والتكنولوجيات العلمية الحديثة، وتبادل الخبرات مع الآخرين في ميدان العمل العلمي المشترك، وفتح المجال أمام مشروعات وفرق عمل عابرة للتخصصات، لأن الكثير من مشكلات العصر لم يعد ممكناً أن يعالجها تخصص علمي واحد.
ومن جملة الأسئلة والتحديات المطروحة أمام المنتدى في إطار تفعيل عمل الكفاءات والخبرات العلمية والعملية: إلى أي مدى يستطيع المنتدى، وضمن ظروف عمله وإمكاناته، أن يسهم في إنجاز ذلك الهدف على أفضل صيغة وتحقيق النتائج المرجوة؟
إن إجابة هذا السؤال مرتبطة بشكل وثيق بإبداع الصيغ والوسائل التواصلية بين أعضاء المنتدى المتواجدين داخل الوطن وخارجه، وبناء قواعد للخبرات والتخصصات، وتكوين شبكات علمية ومهنية، والاستفادة من تقنيات الاتصال الحديثة والذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل والاجتماعات الافتراضية، بما يجعل المنتدى مساحة حية للعمل والتفاعل المستمر، وليس مجرد مكان للاجتماع الدوري.
ومهما يبذل المنتدى من جهود تنظيمية لعقد ورش العمل والندوات وتنظيم المحاضرات، فإن الجهد الحقيقي هو ما يجب أن ينهض به أعضاء المنتدى ذاتهم، من خلال تقديم إنتاجاتهم العلمية وخبراتهم وتجاربهم الميدانية، والمشاركة في فرق العمل والمبادرات والمشروعات، وإثراء موقع المنتدى ومنصاته الرقمية بالمعرفة والدراسات والأفكار والحلول. فالعلم مثل مجرى النهر دائم التدفق، ولا بد لكل عضو من أعضاء المنتدى أن يشعر بمسؤوليته في هذا المجال، وأن يعتبر المنتدى بيت الخبرة والعلم لكل المصريين، ومعين الحاجة الوطنية المستمرة لحل المشكلات وضمان التطور والتقدم الحضاري.
كما أن الأنشطة العلمية لأعضاء المنتدى داخل الوطن وخارجه ينبغي أن تعطي الاهتمام الأول للبحث العلمي في مواجهة المشكلات التي يواجهها الوطن، وأن تعمل على تكريس نتائج العلوم والمعارف الحديثة في ميادين الحياة في مصر، وربط الأولويات البحثية بالأولويات الوطنية، بحيث تصبح مشكلات المجتمع والاقتصاد والصناعة والبيئة والصحة والتعليم وغيرها مصدراً لأسئلة البحث العلمي، وتصبح نتائج البحث بدورها مصدراً للحلول والسياسات والمشروعات.
ومن المفيد كذلك أن يعطي جيل الرواد من العلماء والخبراء اهتماماً خاصاً ونوعياً للجيل الصاعد من الباحثين والعلماء في مصر، وأن ينقل إليه الخبرة والتجربة والمنهج، ويفتح أمامه مساحات العمل والتجريب والابتكار، فالاستثمار الحقيقي في العلم لا يقتصر على الأجهزة والمختبرات، وإنما يبدأ ببناء الإنسان الباحث القادر على السؤال والتفكير والإبداع وتحويل المعرفة إلى إنجاز.
وأخيراً فإن ميدان البحث العلمي، وإن كان تنافسياً بالمعنى العام بين الاختصاصيين في العلوم المختلفة، إلا أنه عملياً مجال يتسع للكثيرين، بل إن الإنجازات العلمية الفعلية عبر مسيرة التطور الحضاري هي إنجازات علمية بحثية تراكمية، جمعت كل الجهود البشرية في الابتكار والتجديد، حتى وإن ظهرت للواقع بأسماء محددة من العلماء، ولكنها أضحت ملك البشرية وثمرة من ثمار التعاون والتكاتف الخلاق من أجل سعادة البشر ورفاهيتهم.
وهنا يتجسد المعنى الحضاري لهذا الكيان العلمي، المنتدى المصري للكفاءات والخبرات، باعتباره منصة وطنية للعلماء والخبراء والباحثين والمبدعين للتعبير عن نتاجهم الفكري والعلمي والعملي، وصياغة نتائج خبراتهم في إطار تكريسها لخدمة التنمية والتطور، وربط البحث العلمي باحتياجات المجتمع، واستثمار أدوات العصر من الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا النانو والتكنولوجيا الحيوية والتقنيات الرقمية وغيرها، ووضع كل ذلك في برنامج وطني شامل من أجل حل مشكلات مصر، وبناء الإنسان المصري، والنهوض بمصر الحديثة، وخدمة الوطن وحريته وتقدمه الحضاري.




