لينك المحاضرة: https://drive.google.com/file/d/1LLAqE0QdzSe8_90aROAWh7J2fzP3civZ/view?usp=sharing
استراتيجيات التميز الإنساني: منهجية التفكير، صناعة القرار، والتخطيط للحياة
أولاً: فلسفة الأولويات وشمولية النجاح
تتأسس حياة الإنسان على تفاوت جوهري في أهمية الموضوعات والاحتياجات؛ فليست كل الأمور ذات ثقل متساوٍ، بل تعتمد الأولوية على طبيعة الاحتياج البشري والحكمة الإلهية في خلق الأشياء. ويظهر هذا التفاوت في القدرة على الاستغناء؛ فبينما يمكن للإنسان العيش دون بعض الأطعمة لسنوات، لا يمكنه البقاء دون ماء لأكثر من أيام، ولا دون تنفس لأكثر من دقيقتين أو ثلاث. وبناءً عليه، يجب أن تختلف درجة الاهتمام بالموضوعات بناءً على كونها ثوابت ضرورية أم متغيرات ظرفية.
إن النجاح الحقيقي يتطلب رؤية شمولية تتجنب “الزاوية الأحادية”؛ فالإخفاق غالباً ما يأتي من إهمال جانب واحد رغم النجاح في بقية الجوانب، تماماً كما يمكن لخطأ صغير واحد أن يبدد جهداً عظيماً. ويمثل العقل الأداة المركزية والمنحة الكبرى للإنسان، فهو وسيلته للتميز على الكائنات الأقوى جسدياً، وهو الأداة الأساسية لفهم النظريات وتنمية المهارات واختيار المنهج الصحيح في الحياة.
ثانياً: تراكم الخبرات وفقه الفشل
تعتبر الخبرة تراكمية بطبعها، فإتقان أي مهارة يحتاج إلى زمن وممارسة مستمرة للوصول إلى مرحلة الاحتراف، والقدرات البشرية الكامنة هائلة، حيث يمكن للإنسان إتقان عشرات المهارات المتنوعة إذا استغل وقته بذكاء، ومن المبادئ المنهجية الهامة أن قصص الفشل قد تكون أكثر إفادة من قصص النجاح؛ لأنها تقدم خارطة بالأخطاء والغرائم التي يجب تجنبها، وهو منهج قرآني ركز في ثلث قصصه على إخفاقات السابقين لتكون تحذيراً ودرساً بليغاً.
ثالثاً: منهجية الاختيار وأخلاقيات التعلم
يجب أن تركز المنهجية العلمية في التعلم على ما يحتاجه أغلب الناس (70-80%)، وعلى الموضوعات ذات الوزن الثقيل والأثر المستدام. ومن الضروري التفريق بين الثوابت والمتغيرات وبين الغايات والوسائل؛ فالغاية هي الهدف الأصيل (مثل الصحة)، بينما الوسيلة (مثل النادي الرياضي) قابلة للتغيير.
كما تبرز قضية الأمانة العلمية كركيزة للنهضة؛ فثقافة الغش لتحصيل الشهادات دون فهم حقيقي تمثل كارثة مجتمعية تؤدي لانهيار المؤسسات وفشل المشاريع، كما يحدث في انهيار المباني نتيجة الغش في معايير البناء.
رابعاً: صناعة واتخاذ القرار
تتمثل العملية الرشيدة في التمييز بين صناعة القرار (مرحلة جمع المعلومات والتحليل) واتخاذ القرار )الخطوة التنفيذية( وتمر صناعة القرار بمراحل دقيقة:
1) تحديد الغاية والهدف بوضوح.
2) وضع المعايير وتحديد الأوزان النسبية لكل معيار بناءً على الظروف الشخصية والبيئية.
3) دراسة البدائل والخيارات المتاحة بعناية.
وفي الإطار الجماعي، تبرز الشورى كنوعين: “شورى معلِمة” تهدف لاستطلاع الرأي، و”شورى ملزمة” في القضايا التي تخص المجموع، مع التأكيد على ضرورة استشارة المتخصصين في الأمور الفنية الدقيقة (كالطب والهندسة) قبل التصويت العام.
خامساً: تطوير أدوات التفكير والتعلم الذاتي
ينقسم التفكير والتعلم إلى مستويات؛ يبدأ من الحفظ (الدرجة الدنيا) وينتهي بالابتكار والنقد (الدرجة العليا). ومن أهم الأدوات المطورة لذلك:
• هرم بلوم: الذي يصنف المهارات من المعرفة والفهم إلى التحليل والتركيب والابتكار.
• القبعات الست: وهي منهجية للنظر للموضوعات من ست زوايا (المعلومات، المشاعر، المخاطر، الفوائد، الإبداع، والإدارة).
• برنامج الكورت (CoRT): لتعزيز توسيع المدارك، التنظيم، التفاعل، والإبداع.
وتشير الدراسات إلى أن الإنسان العادي يستخدم 1% فقط من قدراته الجسدية والعقلية. ويمكن مضاعفة هذه القدرات عبر التدريب؛ فمثلاً يمكن الانتقال من القراءة العادية (100 كلمة/دقيقة) إلى القراءة السريعة (3000 كلمة/دقيقة) أو حتى القراءة التصويرية التي تصل لآلاف الكلمات في الدقيقة.
سادساً: التخطيط الاستراتيجي والعمل الرشيد
التخطيط الاستراتيجي هو العمل الرشيد الذي يجمع بين الوحي والحكمة، ويرتكز التفكير الرشيد على ثلاث قواعد أساسية:
1) مصلحة الكل مقدمة على مصلحة الجزء: تغليب نفع الجماعة أو المؤسسة على النفع الفردي.
2) الأهم مقدم على العاجل: الانشغال بالأهداف الكبرى ذات الأثر البعيد بدلاً من الاستغراق في الملهيات اللحظية.
3) النتيجة مقدمة على الوسيلة: تقييم الوسيلة بمدى تحقيقها للهدف، وتحمل مرارة الوسيلة (كالدواء) في سبيل حلاوة النتيجة (كالشفاء).
ويتطلب التخطيط الناجح فهم الماضي لاستخلاص العبر، وفهم الحاضر لتقدير الإمكانات، واستشراف المستقبل للاستعداد لكافة السيناريوهات.
سابعاً: اختيار المسار المهني وتطوير الذات
إن اختيار التخصص الوظيفي قرار استراتيجي يؤثر على عقود من الحياة. ويجب أن يعتمد الاختيار على موازنة معايير متعددة تشمل: (الرغبة الشخصية، الاستعداد والقدرة، الدخل المادي، سهولة العمل، دعم الأسرة، وحاجة المجتمع)، ويُعد التدوير الوظيفي وسيلة فعالة لاكتشاف المهارات الكامنة وتوسيع الخبرات العملية.
ثامناً: القوة في العمل الجماعي والنموذج الاجتماعي
يبرز الفرق بين المجتمعات المتقدمة وغيرها في تبني ثقافة العمل الجماعي مقابل الفردية؛ فالتعاون والاندماج في كيانات كبيرة يحقق نتائج تفوق بمراحل مجموع الجهود الفردية المتنافسة، كما أن الالتزام بالقيم الأخلاقية في العمل، والابتعاد عن التبريرات الواهية للخطأ، والحرص على أن يكون الإنسان قدوة لغيره (خاصة الأبناء)، هي الأسس الجوهرية لبناء مجتمع متماسك وناجح.
خلاصة: إن الارتقاء بالإنسان يتطلب ثورة في المفاهيم والقناعات، والتعلم المستمر لمهارات التفكير والعمل الرشيد، واستغلال الطاقات الكامنة، مع الالتزام بالثوابت الأخلاقية والروحية التي تضمن كمال النجاح والسعادة




