قبل شهرين، افتتحت الصين جسرًا شاهق الارتفاع إلى درجة يمكنك أن تضع برجَي إيفل أحدهما فوق الآخر تحته، ويبقى متسع من الفراغ. وفي أعلى نقطة فيه، يوجد مقهى بجدران زجاجية، تستطيع أن تحتسي فيه القهوة وأنت تنظر إلى السحب أسفل قدميك.
استغرق بناء هذا الجسر ثلاث سنوات وثمانية أشهر.
يقع الجسر في مقاطعة قويتشو، وهي من أفقر مقاطعات الصين. في ثمانينيات القرن الماضي، كان في قويتشو نحو 2900 جسر. اليوم، يزيد العدد على 32 ألف جسر. ما يقارب نصف أعلى مئة جسر في العالم توجد في هذه المقاطعة وحدها.
كنت أظن أن هذا الفارق يعود إلى اختلاف النظم السياسية: ديمقراطية في مقابل سلطوية.
لكن كتاب دان وانغ الجديد «Breakneck» قدّم لي زاوية نظر مختلفة.
في ذروة التكنوقراطية الصينية عام 1997، كان جميع أعضاء اللجنة الدائمة للمكتب السياسي السبعة يحملون شهادات في الهندسة. سبعون في المئة من الوزراء، وسبعة وسبعون في المئة من حكّام المقاطعات.
انظر الآن إلى الولايات المتحدة: ستون في المئة من الرؤساء الأميركيين كانوا من المحامين. ولا واحد منهم كان مهندسًا. قرابة أربعين في المئة من أعضاء الكونغرس يحملون شهادات في القانون، بينما لا تتجاوز نسبة أصحاب الخلفيات العلمية والهندسية أربعة في المئة.
وصف توكفيل المحامين بأنهم «أرستقراطية أميركا» عام 1833. وبعد قرابة قرنين، لم يتغير الكثير.
طرح وانغ دقيق وحاد: الصين دولة تقودها الهندسة، تواجه المشكلات بأدوات ثقيلة وحاسمة. أما أميركا فهي مجتمع تحكمه الذهنية القانونية، يرفع مطرقة القضاء ليعطّل كل شيء تقريبًا.
عندما ضربت جائحة كوفيد مدينة ووهان، بنت الصين مستشفى بسعة ألف سرير خلال عشرة أيام. سبعة آلاف عامل، عمل متواصل على مدار الساعة.
في المقابل، وجدت دراسة لشركة ماكنزي أن مشروع البنية التحتية في الولايات المتحدة يستغرق في المتوسط أربع إلى خمس سنوات فقط لاجتياز إجراءات التراخيص.
بنت الصين أول طريق سريع لها عام 1993. وبعد ثمانية عشر عامًا، أصبح لديها ما يعادل شبكة الطرق السريعة الأميركية كاملة. وبعد تسع سنوات أخرى، بنت شبكة مماثلة مرة ثانية. تمتلك الصين اليوم 48 ألف كيلومتر من السكك الحديدية عالية السرعة، أي نحو ثلثي إجمالي العالم. أما الولايات المتحدة، فتكاد لا تملك شيئًا يذكر في هذا المجال.
مصنع تسلا العملاق في شنغهاي انتقل من أرض موحلة إلى سيارات تسير على خطوط الإنتاج خلال 168 يوم عمل فقط، وهو زمن أقصر مما تستغرقه معظم المشاريع الأميركية لإنهاء المراجعات البيئية.
لقد أحسنت أميركا إتقان فن التعطيل، لا فن البناء.
انخفضت مساهمة التصنيع في الناتج المحلي الأميركي من 28% عام 1953 إلى نحو 10% اليوم. ويكلّف نظام الدعاوى القضائية في الولايات المتحدة 529 مليار دولار سنويًا. في أميركا، يوجد محامٍ واحد لكل 250 شخصًا. في اليابان، محامٍ واحد لكل 4000 شخص.
لا يدّعي وانغ أن النموذج الصيني إنساني. فسدّ الممرات الثلاثة وحده تسبب في تهجير 1.4 مليون شخص. وعندما يتولى المهندسون إدارة كل شيء، تصبح حقوق الأفراد أرقامًا هامشية.
ومع ذلك، عندما يتولى المحامون إدارة كل شيء، لا يُبنى شيء على الإطلاق.
يعبّر وانغ عن ذلك بقوله: «سيسعدني كثيرًا لو أصبحت الولايات المتحدة أكثر هندسية بنسبة 20%. وفي الوقت نفسه، أظن أنه سيكون أمرًا رائعًا لو أصبحت الصين أكثر قانونية بنسبة 50%.»
بالنسبة للمواطن الصيني العادي، يعني التقدم زيارة والديه على متن قطار لم يكن موجودًا قبل عقد من الزمن. ويعني عبور وادٍ خلال دقيقتين بدلًا من ساعتين.
فكيف يبدو شعور التقدم في أميركا؟
ملاحظة
المقال ترجم من بوست علي لينكدإن لتعم الفائده
تعقيب مهم لمن علق علي البوست
أقدّر أطرحاتكم جميعا، وأتفق معكم تمامًا في أن كرامة الإنسان وحريته وحقوقه ليست قابلة للمقايضة بأي إنجاز عمراني أو تقني، ولا يمكن اعتبار السرعة في البناء معيارًا للحضارة بحد ذاته. ولم يكن المقصود من المقال، ولا من المقارنة المطروحة، تبرير القمع أو التغاضي عن كلفته الإنسانية، بل محاولة فهم كيف يمكن لاختلال ميزان اتخاذ القرار أن يقود إما إلى تغوّل السلطة أو إلى شلل شبه كامل في التنفيذ.
ما قصدته هو أن المشكلة لا تكمن في وجود القانون أو الرقابة أو المؤسسات الديمقراطية، بل في اللحظة التي تتحول فيها هذه الأدوات من وسائل حماية وتنظيم إلى عوائق بنيوية تمنع الإنجاز حتى عندما تكون الحاجة واضحة والتقنية ناضجة. مثال ذلك ما حدث في مشروع مفاعلات Vogtle Nuclear Power Plant في ولاية جورجيا. هذا المشروع، الذي كان من المفترض أن يكون نموذجًا لعودة الطاقة النووية المدنية في الولايات المتحدة، تعرّض لتأخيرات متتالية امتدت لسنوات، وتضاعفت تكلفته من نحو 14 مليار دولار إلى ما يزيد على 30 مليار دولار. جزء معتبر من هذا التعثر لم يكن سببه نقص المعرفة الهندسية أو ضعف التكنولوجيا، بل تعقيدات تنظيمية وتشريعية، وتغيرات متكررة في المتطلبات، وسلسلة طويلة من المراجعات والإجراءات القانونية، إلى جانب تشابك المسؤوليات بين الجهات الرقابية والتنفيذية.
هذا المثال لا يعني أن تلك الإجراءات غير مبررة من حيث المبدأ، فالأمان النووي وحماية العاملين والجمهور أمور لا نقاش فيها، لكنه يطرح سؤالًا مشروعًا حول ما إذا كانت المنظومة الحالية قادرة على التمييز بين الرقابة الرشيدة والبيروقراطية المفرطة. عندما يتحول المشروع من إنجاز وطني استراتيجي إلى عبء سياسي ومالي، فإن المجتمع كله يدفع الثمن، ليس فقط اقتصاديًا، بل أيضًا في فقدان الثقة بالقدرة على تنفيذ مشاريع كبرى ومعقدة.
الخلاصة التي أحاول التأكيد عليها هي أن النقاش الحقيقي ليس بين نموذج يقمع الإنسان وينجز، ونموذج يحمي الإنسان ويتعثر، بل حول كيفية بناء منظومة تحقق التوازن بين الأمرين. نحتاج إلى قانون قوي يحمي الحقوق ويضمن السلامة، لكنه في الوقت نفسه ممكن وعملي، وإلى هندسة قادرة على التنفيذ ضمن هذا الإطار دون أن تُختنق بسلسلة لا تنتهي من العوائق. هذه المنطقة الوسطى هي الأصعب، لكنها وحدها القادرة على الجمع بين الكرامة الإنسانية والتقدم المادي المستدام.
https://www.facebook.com/share/p/1DEZ7yZTdW/




