كتاب الاقتصاد السياسي للتخلّف

image_pdf

مقدمة عن كتاب الاقتصاد السياسي للتخلّف لبول باران

يُعد كتاب »الاقتصاد السياسي للتخلّف« أحد الأعمال الكلاسيكية في الفكر الماركسي حول التنمية الاقتصادية وفهم ظاهرة التخلف في العالم الثالث. ألّفه الاقتصادي بول باران، وهو من أبرز منظّري “”الاقتصاد الماركسي للتنمية””، وقد نُشر لأول مرة في خمسينيات القرن العشرين، في ذروة الصراع بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي، ومرحلة بروز حركات التحرر الوطني في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.

يهدف باران في هذا الكتاب إلى نقض النظريات الليبرالية الكلاسيكية التي كانت تفسّر التخلف على أنه نتيجة “”طبيعية”” لضعف الإنتاجية أو نقص رأس المال أو التأخر التقني، ويؤكد بدلًا من ذلك أن التخلف ليس حالة داخلية أو طبيعية، بل هو نتاج تاريخي مباشر للنظام الرأسمالي العالمي، وخاصة للعلاقات الاستعمارية والإمبريالية التي أعادت تشكيل الاقتصادات التابعة في الدول النامية بما يخدم مصالح المراكز الصناعية الكبرى.

يركّز باران على تحليل البنية الاقتصادية والاجتماعية للدول المتخلفة، موضحًا كيف أن فئات محلية من الإقطاعيين والرأسماليين الكمبرادوريين (المرتبطين بالمصالح الأجنبية) تساهم في تكريس التبعية والتخلّف بدلًا من الدفع نحو التنمية الوطنية المستقلة. ويقارن ذلك بتجارب الدول الصناعية التي شهدت نموًّا اقتصاديًا عبر الثورات الصناعية والسياسية، مؤكدًا أن تجاوز التخلف في بلدان العالم الثالث لا يمكن أن يتم من داخل النظام الرأسمالي التابع، بل يتطلب تغييرًا جذريًا في البنية الاجتماعية والسياسية.

من خلال تحليله العميق، يربط باران بين الاقتصاد والسياسة والمجتمع، ليقدّم منظورًا شاملاً يرى أن التنمية ليست مجرد عملية اقتصادية، بل مشروع تحرر وطني واجتماعي.
أما إيف لاكوست، فقد قدّم في بعض الترجمات والتعليقات اللاحقة تحليلاً جغرافيًا وسياسيًا مكملاً لأفكار باران، مبرزًا كيف تُترجم علاقات التبعية الاقتصادية إلى خرائط من الهيمنة الجغرافية والاستغلال.

________________________________________
🟨 أهمية الكتاب
• يُعد من الأسس الفكرية لاقتصاديات التبعية التي طوّرها لاحقًا مفكرون مثل سمير أمين وأندريه غوندر فرانك.
• يقدّم تفسيرًا بنيويًا وتاريخيًا للتخلف، لا يعتمد على الأسباب الداخلية فقط بل على السياق العالمي.
• ما زال يحتفظ بأهميته الأكاديمية والسياسية في تحليل قضايا التنمية والعدالة الاقتصادية في الجنوب العالمي.

🟩 تعريف بالمؤلف: بول ألكسندر باران (Paul Alexander Baran)
وُلد بول باران عام 1909 في مدينة نيكولاييف بأوكرانيا (التي كانت آنذاك جزءًا من الإمبراطورية الروسية)، وتوفي عام 1964 في الولايات المتحدة الأمريكية. يُعد باران أحد أبرز الاقتصاديين الماركسيين في القرن العشرين، ومن أهم المنظّرين الذين أسّسوا لما يُعرف بـ الاقتصاد السياسي للتنمية والتخلّف.
تلقّى باران تعليمه الجامعي في ألمانيا، ودرس الاقتصاد في جامعة برلين، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة هربًا من الاضطهاد النازي في ثلاثينيات القرن العشرين، حيث واصل دراسته في جامعة هارفارد، ونال منها درجة الدكتوراه في الاقتصاد. لاحقًا، أصبح أستاذًا في جامعة ستانفورد (Stanford University)، رغم طابعها الليبرالي، وكان من القلائل الذين مثّلوا الاتجاه الماركسي داخل الأوساط الأكاديمية الأمريكية في تلك الفترة.

🟨 فكره واتجاهه الفكري
ينتمي باران إلى التيار الماركسي النقدي الذي سعى إلى تطوير النظرية الماركسية لتفسير أوضاع العالم الثالث في ظل التوسع الإمبريالي بعد الحرب العالمية الثانية.
كان يرى أن النظام الرأسمالي العالمي يقوم على علاقات تبعية واستغلال بين المركز الصناعي (الدول المتقدمة) والأطراف (الدول النامية)، وأن التخلف ليس بقايا الماضي، بل نتاج مباشر للرأسمالية الحديثة.
في كتابه الأشهر «الاقتصاد السياسي للتخلّف» (1957)، حلّل باران آليات تكوين الفائض الاقتصادي في المجتمعات المتخلفة وكيف يُهدر هذا الفائض في الاستهلاك الطفيلي والفساد والتحويل للخارج بدلًا من استثماره في التنمية الوطنية.

كما تعاون لاحقًا مع الاقتصادي الأمريكي الماركسي بول سويزي (Paul Sweezy) في تأليف كتاب آخر مهم هو «رأس المال الاحتكاري» (Monopoly Capital) الصادر عام 1966، الذي أكمل فيهما الاثنان تحليل تطور الرأسمالية في مرحلة الاحتكار.

🟦 أثره العلمي والفكري
• يُعد باران من أوائل من استخدم مصطلح “”الاقتصاد السياسي للتخلف”” ليؤسس مقاربة تحليلية جديدة تربط بين التاريخ والسياسة والاقتصاد.
• أثّرت أفكاره بعمق في مفكرين عرب وعالميين، مثل سمير أمين وأندريه غوندر فرانك وإيمانويل والرشتاين، الذين طوروا نظريات التبعية والنظام العالمي.
• رغم رحيله المبكر سنة 1964، ترك إرثًا فكريًا غنيًا ساهم في بناء مدرسة الاقتصاد الماركسي للتنمية التي ما زالت مرجعًا في تحليل قضايا الفقر والتبعية حتى اليوم.

Web |  + مقالات

اترك تعليقاً