لينك المحاضرة: https://drive.google.com/file/d/1coNkb8-Azkwp9Z2Q_68ERayvr3e7EM1X/view?usp=sharing
تعريف الهندسة الحضرية المرنة
تُعرف المرونة الحضرية بأنها قدرة المدينة على التخطيط المسبق بحيث لا تكتفي بمواجهة الأزمات بعد وقوعها، بل تمتلك القدرة على الصمود، التكيف، التعافي، والازدهار. الهندسة الحضرية المرنة ليست مجرد استجابة طارئة للكوارث، بل هي خاصية متأصلة في نظام المدينة، وبنيتها البشرية، والطبيعية والتقنية. الهدف ليس العودة للوضع السابق فحسب، بل تحويل التحديات إلى فرص للنمو الإيجابي مع الحفاظ على الوظائف الحيوية الأساسية للمدينة.
سمات ومبادئ المدن المرنة
تتميز المدينة المرنة بعدة خصائص أساسية:
• المثابرة والقابلية للتكيف: أن تكون المدينة مستعدة لتوقع الأزمات والتحول بشكل إيجابي للتكيف معها.
• الشمولية والتكامل: يجب أن تشمل كافة فئات المجتمع، خاصة الفئات الضعيفة، مع دمج الأنظمة المختلفة (مياه، طاقة، نقل) في حلول شمولية.
• التعلم من التجارب: الاستفادة من التحديات السابقة لتطوير الأنظمة وحماية السكان.
البنية التحتية الخضراء والحلول المستدامة
تختلف المرونة عن “”المقاومة”” التقليدية؛ فالمقاومة تعتمد على حلول “”رمادية”” (مثل الجدران الخرسانية)، بينما تعتمد البنية التحتية الخضراء على الأنظمة الطبيعية. ومن أهم حلولها:
1. الأحزمة الخضراء: تحمي البيئة وتحد من التوسع الحضري العشوائي،.
2. استعادة المجاري الطبيعية: استغلال الوديان والحدائق لامتصاص المياه الزائدة وتكون ملاجئ أثناء الأزمات،.
3. اللامركزية في الخدمات: وهي حجر الزاوية في المرونة الحضرية، وتشمل:
◦ الطاقة اللامركزية: الاعتماد على أنظمة الطاقة الشمسية المنفصلة لكل وحدة أو تجمع سكني.
◦ إدارة المياه :استخدام تقنيات “”حصاد مياه الأمطار”” لتقليل الضغط على الشبكات العامة وتوفير مصدر مائي.
◦ إعادة استخدام المياه الرمادية: فصل مياه الغسيل عن مياه الصرف الصحي ومعالجتها لاستخدامها في الري، مما يقلل من تكدس مياه الصرف ويحسن إدارة الموارد،.
نماذج دولية لمدن مرنة
استعرضت المحاضرة تجارب عالمية ناجحة في مواجهة الكوارث:
• اليابان :نموذج في البنية التحتية القوية والنظام المؤسسي الصارم، حيث أظهرت استجابة مذهلة خلال تسونامي 2011 عبر كودات بناء صارمة ونظم إدارة طوارئ فعالة،.
• تشيلي: ركزت على إشراك المجتمع المحلي كشريك أساسي في عملية إعادة الإعمار واتخاذ القرار،.
• بنجلاديش :اعتمدت عملية تشاركية لتقييم المخاطر البيئية والصحية ودمجها في التخطيط الحضري.
• رواندا :نموذج ملهم في التحول السريع، حيث أعادت التخطيط الحضري بناءً على العدالة والدمج الاجتماعي والحلول الخضراء،.
التطبيقات العملية في السياقات الهشة (نموذج قطاع غزة)
يواجه قطاع غزة تحديات هائلة بسبب الكثافة السكانية والحروب المتكررة، مما يجعل الهندسة المرنة ضرورة لا رفاهية. ومن المقترحات التطبيقية:
1. الإيواء المؤقت القابل للتطوير: تصميم كرفانات مؤقتة تراعي الكرامة الإنسانية، تُوضع في مناطق مجهزة ببنية تحتية، بحيث يتم استبدالها لاحقاً ببناء دائم دون الحاجة لتغيير الشبكات،.
2. إعادة تدوير الركام: استخدام حطام المنازل المدمرة في رصف الطرق أو صناعة الطوب الأسمنتي والبلاط.
3. ترميم البيوت الأثرية: إعادة استخدام الأحجار الصخرية الأصلية في ترميم المباني التاريخية بالتعاون مع اليونسكو، مما يحافظ على النسيج الثقافي،.
4. المواد المحلية: استخدام الأخشاب وهياكل الصوبات الزراعية في إنشاء نقاط طبية ومساجد مؤقتة.
آليات الوصول إلى التخطيط المرن والتمويل
لتحقيق المرونة، يجب اتباع منهجية علمية تشمل:
• المنصات التفاعلية: لجمع البيانات ورصد الأضرار والمخاطر (مثل الفيضانات والزلازل) بشكل منهجي لمساعدة صناع القرار،.
• المعايير الدولية: الالتزام بأدوات قياس المرونة (مثل CRPT) المعتمدة من برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (UN-Habitat).
• التمويل: دمج معايير المرونة في الخطط الوطنية يسهل الوصول إلى تمويلات المناخ الدولية، مثل برنامج “”تاب”” (TAP) الذي يدعم الحكومات المحلية،.
——————————————————————————–
خاتمة وجلسة النقاش
أكد الدكتور عبد الرحمن في ختام محاضرته أن “”المدن المرنة لا تُبنى بعد الكارثة، بل تُصمم قبلها””، معتبراً الهندسة الحضرية المرنة ضرورة أخلاقية لضمان مستقبل آمن للأجيال القادمة.
أبرز نقاط النقاش:
• تطبيق المرونة على المستوى الفردي: يمكن للأفراد البدء بتبني الطاقة الشمسية وإعادة استخدام المياه الرمادية حتى لو لم تكن هناك خطة حكومية شاملة،.
• تحويل المخلفات إلى طاقة: يمكن استخدام “”التخمر اللاهوائي”” لمخلفات الصرف الصحي والطعام لإنتاج “”الغاز الحيوي”” كبديل للوقود الأحفوري.
• السكن والإنتاج: يمكن دمج وحدات إنتاجية صغيرة (مثل ورش الخياطة والنجارة) داخل المجمعات السكنية لتعزيز الصمود الاقتصادي واللامركزية في الإنتاج،.
• مفهوم البيئات الخضراء: لا يقصد به الزراعة فقط، بل الحد من الانبعاثات الكربونية، الاستخدام الأمثل لتضاريس الأرض، وخلق ممرات طبيعية للتهوية وتصريف المياه،،.
الخلاصة في استعارة مفاهيمية: يمكن تشبيه المدينة المرنة بـ “”شجرة النخيل””؛ فهي لا تقاوم الرياح العاتية بصلابة خشبية قد تؤدي لكسرها، بل تنحني مع العاصفة (التكيف) بفضل جذورها القوية (البنية التحتية)، ثم تعود للانتصاب والنمو مرة أخرى بعد انقشاع الأزمة.




